الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
320
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم 57 - سورة الحديد هذه السورة تسمى من عهد الصحابة « سورة الحديد » ، فقد وقع في حديث إسلام عمر بن الخطاب عند الطبراني والبزار أن عمر دخل على أخته قبل أن يسلم فإذا صحيفة فيها أول سورة الحديد [ 7 ] فقرأه حتى بلغ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فأسلم ، وكذلك سميت في المصاحف وفي كتب السنة ، لوقوع لفظ « الحديد » فيها في قوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [ الحديد : 25 ] . وهذا اللفظ وإن ذكر في سورة الكهف [ 96 ] في قوله تعالى : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ وهي سابقة في النزول على سورة الحديد على المختار ، فلم تسم به لأنها سميت باسم الكهف للاعتناء بقصة أهل الكهف ، ولأن الحديد الذي ذكر هنا مراد به حديد السلاح من سيوف ودروع وخوذ ، تنويها به إذ هو أثر من آثار حكمة اللّه في خلق مادته وإلهام الناس صنعه لتحصل به منافع لتأييد الدين ودفاع المعتدين كما قال تعالى : فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [ الحديد : 25 ] . وفي كون هذه السورة مدنية أو مكية اختلاف قوي لم يختلف مثله في غيرها ، فقال الجمهور : مدنية . وحكى ابن عطية عن النقاش : أن ذلك إجماع المفسرين ، وقد قيل : إن صدرها مكي لما رواه مسلم في « صحيحه » والنسائي وابن ماجة عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : « ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللّه بهذه الآية أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إلى قوله : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [ الحديد : 16 ] إلا أربع سنين . عبد اللّه بن مسعود من أول الناس إسلاما ، فتكون هذه الآية مكية . وهذا يعارضه ما رواه ابن مردويه عن أنس وابن عباس : أن نزول هذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة من ابتداء نزول القرآن ، فيصار إلى الجمع بين الروايتين