الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

304

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سورة يونس [ 61 ] . والكريم : النفيس الرفيع في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ في سورة النمل [ 29 ] . وهذا تفضيل للقرآن على أفراد نوعه من الكتب الإلهية مثل التوراة والإنجيل والزبور ومجلة لقمان ، وفضله عليها بأنه فاقها في استيفاء أغراض الدين وأحوال المعاش والمعاد وإثبات المعتقدات بدلائل التكوين . والإبلاغ في دحض الباطل دحضا لم يشتمل على مثله كتاب سابق ، وخاصة الاعتقاد ، وفي وضوح معانيه ، وفي كثرة دلالته مع قلة ألفاظه ، وفي فصاحته ، وفي حسن آياته ، وحسن مواقعها في السمع وذلك من آثار ما أراد اللّه به من عموم الهداية به ، والصلاحية لكل أمة ، ولكل زمان ، فهذا وصف للقرآن بالرفعة على جميع الكتب حقا لا يستطيع المخالف طعنا فيه . وبعد أن وصف القرآن ب كَرِيمٌ ، وصف وصفا ثانيا بأنه فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ وذلك وصف كرامة لا محالة ، فليس لفظ كِتابٍ ولا وصف مَكْنُونٍ مرادا بهما الحقيقة إذ ليس في حمل ذلك على الحقيقة تكريم ، فحرف ( في ) للظرفية المجازية . والكتاب المكنون : مستعار لموافقة ألفاظ القرآن ومعانيه ما في علم اللّه تعالى وإرادته وأمره الملك بتبليغه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وتلك شؤون محجوبة عنّا فلذلك وصف الكتاب بالمكنون اشتقاقا من الاكتنان وهو الاستتار ، أي محجوب عن أنظار الناس فهو أمر مغيّب لا يعلم كنهه إلا اللّه . وحاصل ما يفيده معنى هذه الآية : أن القرآن الذي بلغهم وسمعوه من النبي صلى اللّه عليه وسلم هو موافق لما أراد اللّه إعلام الناس به وما تعلقت قدرته بإيجاد نظمه المعجز ، ليكمل له وصف أنه كلام اللّه تعالى وأنه لم يصنعه بشر . ونظير هذه الظرفية قوله تعالى : وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها إلى قوله : إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ في سورة الأنعام [ 59 ] ، وقوله : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] أي إلا جاريا على وفق ما علمه اللّه وجرى به قدره ، فكذلك قوله هنا : فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ، فاستعير حرف الظرفية لمعنى مطابقة ما هو عند اللّه ، تشبيها لتلك المطابقة باتحاد المظروف بالظرف . وقريب منه قوله تعالى : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [ الأعلى : 18 ، 19 ] وهذا أولى من اعتبار