الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

298

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذا استدلال على تقريب كيفية الإحياء للبعث من حيث إن الاقتداح إخراج والزند الذي به إيقاد النار يخرج من أعواد الاقتداح وهي ميتة . وفي قوله : الَّتِي تُورُونَ إدماج للامتنان في الاستدلال بما تقدم في قوله : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [ الواقعة : 68 ] . وهو أيضا وصف للمقصود من الدليل وهو النار التي تقتدح من الزند لا النار الملتهبة . وضمير شجرتها عائد إلى النار . وشجرة النار : هي جنس الشجر الذي فيه حرّاق ، أي ما يقتدح منه النار وهو شجر الزّند أو الزّناد وأشجار النار كثيرة منها المرخ ( بفتح فسكون ) والعفار ( بفتح العين ) والعشر ( بضم ففتح ) والكلخ ( بفتح فسكون ) ومن الأمثال « في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار » أي أكثر من النار . و تُورُونَ : مضارع أورى الزّند إذا حكّه بمثله يستخرج منه النار كانوا يضعون عودا من شجر النار ويحكّونه من أعلاه بعود مثله فتخرج النار من العود الأسفل ويسمى العود الأعلى زندا ( بفتح الزاي وسكون النون ) وزنادا ( بكسر الزاي ) ويسمى الأسفل زندة بهاء تأنيث في آخره ، شبّهوا العود الأعلى بالفحل وشبهوا العود الأسفل بالطروقة وقد تابع ذو الرمة هذا المعنى في وصفه الاقتداح للنار فقال على شبه الإلغاز : وسقط كعين الديك عاورت صاحبي * أباها وهيّأنا لموقعها وكرا مشهّرة لا تمكن الفحل أمّها * إذا نحن لم نمسك بأطرافها قسرا وحذف العائد على الموصول لأن ضمير النصب يكثر حذفه من الصلة ، وتقديره : التي تورونها . وتعدية تُورُونَ إلى ضمير النَّارَ تعدية على تقدير مضاف ، أي تورون شجرتها كما دل عليه قوله : أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها ، وقد شاع هذا الحذف في الكلام فقالوا : أورى النار كما قالوا : أورى الزناد . وجملة أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها إلخ بيان لجملة أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ إلخ كما تقدم في قوله : أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ [ الواقعة : 59 ] . [ 73 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 73 ] نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 )