الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
296
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بتكوين النبات إلى الاستدلال بتكوين الماء الذي به حياة الزرع والشجر . ووصف الْماءَ ب الَّذِي تَشْرَبُونَ إدماج للمنة في الاستدلال ، أي الماء العذب الذي تشربونه ، فإن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان ليقابل بقوله بعده : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ [ الواقعة : 70 ] . والمراد ماء المطر ولذلك قال : أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ، والمراد : أنزلتموه على بلادكم وحروثكم . وماء المطر هو معظم شراب العرب المخاطبين حينئذ ولذلك يقال للعرب : بنو ماء السماء . والمزن : اسم جمع مزنة وهي السحابة . ووجه الاستدلال إنشاء ما به الحياة بعد أن كان معدوما بأن كوّنه اللّه في السحاب بحكمة تكوين الماء . فكما استدل بإيجاد الحي من أجزاء ميتة في خلق الإنسان والنبات استدل بإيجاد ما به الحياة عن عدم تقريبا لإعادة الأجسام بحكمة دقيقة خفية ، أي يجوز أن يمطر اللّه مطرا على ذوات الأجساد الإنسانية يكون سببا في تخلقها أجسادا كاملة كما كانت أصولها ، كما تتكوّن الشجرة من نواة أصلها ، وقد تم الاستدلال على البعث عند قوله : أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . وقوله : أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ جعل استدلالا منوطا بإنزال الماء من المزن ، على طريقة الكناية بإنزاله ، عن تكوينه صالحا للشراب ، لأن إنزاله هو الذي يحصل منه الانتفاع به ولذلك وصف بقوله : الَّذِي تَشْرَبُونَ . وأعقب بقوله لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً [ الواقعة : 70 ] فحصل بين الجملتين احتباك كأنه قيل : أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من المزن لو نشاء جعلناه أجاجا ولأمسكناه في سحاباته أو أنزلناه على البحار أو الخلاء فلم تنتفعوا به . [ 70 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 70 ] لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) موقعها كموقع جملة لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً [ الواقعة : 65 ] والمعنى : لو نشاء جعلناه غير نافع لكم . فهذا استدلال بأنه قادر على نقض ما في الماء من الصلاحية للنفع بعد وجود صورة المائية فيه . فوزان هذا وزان قوله : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ [ الواقعة : 60 ] وقوله : لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً [ الواقعة : 65 ] . وتخلص من هذا التتميم إلى الامتنان بقوله : فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ تحضيضا لهم على