الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

291

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذا العطف يحتمل أن يكون عطف مغاير بالذات فيكون إنشاؤهم شيئا آخر غير تبديل أمثالهم ، أي نحن قادرون على الأمرين جميعا ، فتبديل أمثالهم خلق أجساد أخرى تودع فيها الأرواح ، وأما إنشاؤهم فهو نفخ الأرواح في الأجساد الميتة الكاملة وفي الأجساد البالية بعد إعادتها بجمع متفرقها أو بإنشاء أمثالها من ذواتها مثل : عجب الذنب ، وهذا إبطال لاستبعادهم البعث بعد استقرار صور شبهتهم الباعثة على إنكار البعث . ويحتمل أن يكون عطف مغاير بالوصف بأن يراد من قوله : وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ الإشارة إلى كيفية التبديل إشارة على وجه الإبهام . وعطف بالواو دون الفاء لأنه بمفرده تصوير لقدرة اللّه تعالى وحكمته بعد ما أفاده قوله : أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ من إثبات أن اللّه قادر على البعث . و ما من قوله : فِي ما لا تَعْلَمُونَ صادقة على الكيفية ، أو الهيئة التي يتكيّف بها الإنشاء ، أي في كيفية لا تعلمونها إذ لم تحيطوا علما بخفايا الخلقة . وهذا الإجمال جامع لجميع الصور التي يفرضها الإمكان في بعث الأجساد لإيداع الأرواح . والظرفية المستفادة من فِي ظرفية مجازية معناها قوة الملابسة الشبيهة بإحاطة الظرف بالمظروف كقوله : فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 7 ، 8 ] . ومعنى لا تَعْلَمُونَ : أنهم لا يعلمون تفاصيل تلك الأحوال . [ 62 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 62 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أعقب دليل إمكان البعث المستند للتنبيه على صلاحية القدرة الإلهية لذلك ولسد منافذ الشبهة بدليل من قياس التمثيل ، وهو تشبيه النشأة الثانية بالنشأة الأولى المعلومة عندهم بالضرورة ، فنبهوا ليقيسوا عليها النشأة الثانية في أنها إنشاء من أثر قدرة اللّه وعلمه ، وفي أنهم لا يحيطون علما بدقائق حصولها . فالعلم المنفي في قوله : فِي ما لا تَعْلَمُونَ [ الواقعة : 61 ] ، هو العلم التفصيلي ، والعلم المثبت في قوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى هو العلم الإجمالي ، والإجمالي كاف في الدلالة على التفصيلي إذ لا أثر للتفصيل في الاعتقاد . وفي المقابلة بين قوله : فِي ما لا تَعْلَمُونَ [ الواقعة : 61 ] بقوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ محسّن الطباق .