الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
284
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لحقهم من الجزاء السّيّئ ، ووصفهم بأنهم : ضالون مكذّبون ، ناظر إلى قولهم : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً [ الواقعة : 47 ] إلخ . وقدم وصف الضَّالُّونَ على وصف الْمُكَذِّبُونَ مراعاة لترتيب الحصول لأنهم ضلّوا عن الحق فكذبوا بالبعث ليحذروا من الضلال ويتدبروا في دلائل البعث وذلك مقتضى خطابهم بهذا الإنذار بالعذاب المتوقع . وشجر الزقوم : من شجر العذاب ، تقدم في سورة الدخان . والحميم : الماء الشديد الغليان ، وقد تقدم في قوله تعالى : لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ في سورة الأنعام [ 70 ] وتقدم قريبا في هذه السورة . والمقصود من قوله : فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ تفظيع حالهم في جزائهم على ما كانوا عليه من الترف في الدنيا بملء بطونهم بالطعام والشراب ملئا أنساهم إقبالهم عليه وشربهم من التفكر في مصيرهم . وقد زيد تفظيعا بالتشبيه في قوله : فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ، كما سيأتي ، وإعادة فعل ( شاربون ) للتأكيد وتكرير استحضار تلك الصورة الفظيعة . ومعنى فَشارِبُونَ عَلَيْهِ يجوز أن يكون ( على ) فيه للاستعلاء ، أي شاربون فوقه الحميم ، ويجوز مع ذلك استفادة معنى ( مع ) من حرف ( على ) تعجيبا من فظاعة حالهم ، أي يشربون هذا الماء المحرق مع ما طعموه من شجر الزقوم الموصوفة في آية أخرى بأنها يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [ الدخان : 45 ، 46 ] فيفيد أنهم يتجرعونه ولا يستطيعون امتناعا . و مِنْ الداخلة على شَجَرٍ ابتدائية ، أي آكلون أكلا يؤخذ من شجر الزقوم ، و مِنْ الثانية الداخلة على زَقُّومٍ بيانية لأن الشجر هو المسمى بالزقوم . وتأنيث ضمير الشجر في قوله : فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتي مؤنثة غالبا . وأما ضمير عَلَيْهِ فإنما جاء بصيغة المذكر لأنه عائد على الأكل المستفاد من قوله : لَآكِلُونَ ، أي على ذلك الأكل بتأويل المصدر باسم المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق . والهيم : جمع أهيم ، وهو البعير الذي أصابه الهيام بضم الهاء ، وهو داء يصيب