الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالوحي ، فكان من علم النبوءة أن إرسال الملائكة إلى الأرض بتلك الصورة لا يكون إلا لخطب قال تعالى : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [ الحجر : 8 ] . والخطب : الحدث العظيم والشأن المهمّ ، وإضافته إلى ضميرهم لأدنى ملابسة . والمعنى : ما الخطب الذي أرسلتم لأجله إذ لا تنزل الملائكة إلا بالحق . وخاطبهم بقوله : أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ لأنه لا يعرف ما يسميهم به إلا وصف أنهم المرسلون ، والمرسلون من صفات الملائكة كما في قوله تعالى : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [ المرسلات : 1 ] عن أحد تفسيرين . والمراد بالقوم المجرمين أهل سدوم وعمورية ، وهم قوم لوط ، وقد تقدمت قصتهم في سورة الأعراف وسورة هود . والإرسال الذي في قوله : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مستعمل في الرمي مجازا كما يقال : أرسل سهمه على الصيد ، وهذا الإرسال يكون بعد أن أصعدوا الحجارة إلى الجوّ وأرسلتها عليهم ، ولذلك سميت مطرا في بعض الآيات . وحصل بين أُرْسِلْنا وبين لِنُرْسِلَ جناس لاختلاف معنى اللفظين . والحجارة : اسم جمع للحجر ، ومعنى كون الحجارة من طين : أن أصلها طين تحجّر بصهر النار ، وهي حجارة بركانية من كبريت قذفتها الأرض من الجهة التي صارت بحيرة تدعى اليوم بحيرة لوط ، وأصعدها ناموس إلهي بضغط جعله اللّه يرفع الخارج من البركان إلى الجو فنزلت على قرى قوم لوط فأهلكتهم ، وذلك بأمر التكوين بواسطة القوى الملكية . والمسوّمة : التي عليها السّومة أي العلامة ، أي عليها علامات من ألوان تدل على أنها ليست من الحجارة المتعارفة . ومعنى عِنْدَ رَبِّكَ أن علاماتها بخلق اللّه وتكوينه . والمسرفون : المفرطون في العصيان ، وذلك بكفرهم وشيوع الفاحشة فيهم ، فالمسرفون : القوم المجرمون ، عدل عن ضميرهم إلى الوصف الظاهر ، لتسجيل إفراطهم في الإجرام . [ 35 - 37 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 35 إلى 37 ] فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 ) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 37 )