الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

279

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في قوله : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [ الواقعة : 13 ، 14 ] فاذكره . وفي « تفسير القرطبي » عن أبي بكر الصديق : أن كلتا الثلتين من الأمة المحمدية ثلة من صدرها وثلة من بقيتها ولم ينبه على سند هذا النقل . وإنما أخر هذا عن ذكر ما لهم من النعيم للإشعار بأن عزة هذا الصنف وقلته دون عزة صنف السابقين ، فالسابقون أعز ، وهذه الدلالة من مستتبعات التراكيب المستفادة من ترتيب نظم الكلام . [ 41 - 44 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 ) إفضاء إلى الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة ، وهم أصحاب المشاقّة . والقول في جملة : ما أَصْحابُ الشِّمالِ وموقع جملة فِي سَمُومٍ بعدها كالقول في جملة وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [ الواقعة : 27 ، 28 ] . والسموم : الريح الشديد الحرارة الذي لا بلل معه وكأنه مأخوذ من السّمّ ، وهو ما يهلك إذ لاقى البدن . والحميم : الماء الشديد الحرارة . واليحموم : الدخان الأسود على وزن يفعول مشتق من الحمم بوزن صرد اسم للفحم . والحممة : الفحمة ، فجاءت زنة يفعول فيه اسما ملحوظا فيه هذا الاشتقاق وليس ينقاس . وحرف مِنْ بيانية إذ الظل هنا أريد به نفس اليحموم ، أي الدخان الأسود . ووصف ظِلٍّ بأنه مِنْ يَحْمُومٍ للإشعار بأنه ظل دخان لهب جهنم ، والدخان الكثيف له ظل لأنه بكثافته يحجب ضوء الشمس ، وإنما ذكر من الدخان ظله لمقابلته بالظل الممدود المعدّ لأصحاب اليمين في قوله : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [ الواقعة : 30 ] ، أي لا ظل لأصحاب الشمال سوى ظل اليحموم . وهذا من قبيل التهكم . ولتحقيق معنى التهكم وصف هذا الظل بما يفيد نفي البرد عنه ونفي الكرم ، فبرد الظلّ ما يحصل في مكانه من دفع حرارة الشمس ، وكرم الظلّ ما فيه من الصفات الحسنة في الظلال مثل سلامته من هبوب السموم عليه ، وسلامة الموضع الذي يظله من الحشرات