الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
276
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
دائمة مبذولة لهم . والنفي هنا أوقع من الإثبات لأنه بمنزلة وصف وتوكيده ، وهم لا يصفون بالنفي إلا مع التكرير بالعطف كقوله تعالى : زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ النور : 35 ] . وفي حديث أم زرع : « قالت المرأة الرابعة : زوجي كليل تهامة لا حرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة » . ثم تارة يقصد به إثبات حالة وسطى بين حالي الوصفين المنفيين كما في قول أم زرع : « لا حرّ ولا قرّ » ، وفي آية : لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ النور : 35 ] وهذا هو الغالب وتارة يقصد به نفي الحالين لإثبات ضديهما كما في قوله : لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وقوله الآتي : لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [ الواقعة : 44 ] ، وقول المرأة الرابعة في حديث أمّ زرع : « ولا مخافة ولا سآمة » . وجمع بين الوصفين لأن فاكهة الدنيا لا تخلو من أحد ضدي هذين الوصفين فإن أصحابها يمنعونها فإن لم يمنعوها فإن لها إبانا تنقطع فيه . والفرش : جمع فراش بكسر الفاء وهو ما يفرش وتقدم في سورة الرحمن . و مَرْفُوعَةٍ : وصف ل فُرُشٍ ، أي مرفوعة على الأسرة ، أي ليست مفروشة في الأرض . ويجوز أن يراد بالفرش الأسرّة من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه . [ 35 - 38 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 35 إلى 38 ] إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ( 35 ) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ( 36 ) عُرُباً أَتْراباً ( 37 ) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ( 38 ) لما جرى ذكر الفرش وهي مما يعد للاتكاء والاضطجاع وقت الراحة في المنزل يخطر بالبال بادئ ذي بدء مصاحبة الحور العين معهم في تلك الفرش فيتشوف إلى وصفهن ، فكانت جملة : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً بيانا لأن الخاطر بمنزلة السؤال عن صفات الرفيقات . فضمير المؤنث من أَنْشَأْناهُنَّ عائد إلى غير مذكور في الكلام ولكنه ملحوظ في الأفهام كقول أبي تمام في طالع قصيدة : هنّ عوادي يوسف وصواحبه ومنه قوله تعالى : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] . وهذا أحسن وجه في تفسير الآية ، فيكون لفظ فُرُشٍ [ الواقعة : 34 ] في الآية مستعملا في معنييه ويكون مَرْفُوعَةٍ