الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

273

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ الواقعة : 11 ] ، أي أعطيناهم ذلك جزاء ، ويجوز أن يكون جَزاءً مصدرا جاء بدلا عن فعله ، والتقدير : جازيناهم جزاء . والجملة على التقديرين اعتراض تفيد إظهار كرامتهم بحيث جعلت أصناف النعيم الذين حظوا به جزاء على عمل قدّموه وذلك إتمام لكونهم مقربين . ثم أكمل وصف النعيم بقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ، وهي نعمة روحية فإن سلامة النفس من سماع ما لا يحب سماعه ومن سماع ما يكره سماعه من الأذى نعمة براحة البال وشغله بسماع المحبوب . واللغو : الكلام الذي لا يعتدّ به كالهذيان ، والكلام الذي لا محصل له . والتأثيم : اللّوم والإنكار ، وهو مصدر أثّم ، إذا نسب غيره إلى الإثم . وضمير فِيها عائد إلى جَنَّاتِ النَّعِيمِ [ الواقعة : 12 ] . وأتبع ذكر هذه النعمة بذكر نعمة أخرى من الأنعام بالمسموع الذي يفيد الكرامة لأن الإكرام لذة روحية يكسب النفس عزة وإدلالا بقوله : إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً . وهو استثناء من لَغْواً - و - تَأْثِيماً بطريقة تأكيد الشيء بما يشبه ضده المشتهر في البديع باسم تأكيد المدح لما يشبه الذم ، وله موقع عظيم من البلاغة كقوله النابغة : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب فالاستثناء متصل ادعاء وهو المعبر عنه بالاستثناء المنقطع بحسب حاصل المعنى ، وعليه فإن انتصاب قِيلًا على الاستثناء لا على البدلية من لَغْواً . و سَلاماً الأول مقول قِيلًا أي هذا اللفظ الذي تقديره : سلمنا سلاما ، فهو جملة محكية بالقول . و سَلاماً الثاني تكرير ل سَلاماً الأول تكريرا ليس للتأكيد بل لإفادة التعاقب ، أي سلاما إثر سلام ، كقوله تعالى : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [ الفجر : 21 ] وقولهم : قرأت النحو بابا بابا ، أو مشارا به إلى كثرة المسلمين فهو مؤذن مع الكرامة بأنهم معظمون مبجلون ، والفرق بين الوجهين أن الأول يفيد التكرير بتكرير الأزمنة ، والثاني يفيد التكرار بتكرار المسلمين . وهذا القيل يتلقونه من الملائكة الموكلين بالجنة ، قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] ويتلقاه بعضهم من بعض كما