الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

263

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمنبثّ : اسم فاعل انبثّ ، مطاوع بثّه ، إذا فرّقه . واختير هذا المطاوع لمناسبته مع قوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ في أن المبني للنائب معناه كالمطاوعة ، وقوله : فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا تشبيه بليغ ، أي فكانت كالهباء المنبث . والخطاب في : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً للناس كلهم ، وهذا تخلص للمقصود من السورة وهو الموعظة . والأزواج : الأصناف . والزوج يطلق على الصنف والنوع كقوله تعالى : فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [ الرحمن : 52 ] ووجه ذلك أن الصنف إذا ذكر يذكر معه نظيره غالبا فيكون زوجا . [ 8 - 12 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 8 إلى 12 ] فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ( 9 ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) قد علمت عند تفسير قوله تعالى : إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ [ الواقعة : 1 ] الوجه في متعلق إِذا وإذ قد وقع قوله : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [ الواقعة : 7 ] عطفا على الجمل التي أضيف إليها ( إذا ) من قوله : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا [ الواقعة : 4 ] كان هو محط القصد من التوقيت ب ( إذا ) الثانية الواقعة بدلا من ( إذا ) الأولى وكلتاهما مضمن معنى الشرط ، فكان هذا في معنى الجزاء ، فلك أن تجعل الفاء لربط الجزاء مع التفصيل للإجمال ، وتكون جملة فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ جوابا ل ( إذا ) الثانية آئلا إلى كونه جوابا ل ( إذا ) الأولى لأن الثانية مبدلة منها ، ولذلك جاز أن يكون هذا هو جواب ( إذا ) الأولى فتكون الفاء مستعملة في معنييها كما تقدم عند قوله تعالى : لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [ الواقعة : 2 ] . وقد أفاد التفصيل أن الأصناف ثلاثة : صنف منهم أصحاب الميمنة ، وهم الذين يجعلون في الجهة اليمنى في الجنة أو في المحشر . واليمين جهة عناية وكرامة في العرف ، واشتقت من اليمن ، أي البركة . وصنف أصحاب المشأمة ، وهي اسم جهة مشتقة من الشؤم ، وهو ضد اليمن فهو الضر وعدم النفع وقد سميا في الآية الآتية أَصْحابُ الْيَمِينِ [ الواقعة : 27 ] و أَصْحابُ الشِّمالِ [ الواقعة : 41 ] ، فجعل الشمال ضدّ اليمين كما جعل المشأمة هنا ضد الميمنة إشعارا بأن حالهم حال شؤم وسوء ، وكل ذلك مستعار لما عرف في كلام العرب من إطلاق هذين