الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والفاء في فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً فصيحة لإفصاحها عن جملة مقدرة يقتضيها ربط المعنى ، أي فلم يأكلوا فأوجس منهم خيفة ، كقوله : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 63 ] ، وقد صرح بذلك في سورة هود فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ ( أي إلى العجل ) نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ هود : 70 ] . و فَأَوْجَسَ أحس في نفسه ولم يظهر ، وتقدم نظيره في سورة هود . وقولهم له لا تَخَفْ لأنهم علموا ما في نفسه مما ظهر على ملامحه من الخوف ، وتقدم نظيره في سورة هود . والغلام الذي بشروه به هو إسحاق لأنه هو ابن سارة ، وهو الذي وقعت البشارة به في هذه القصة في التوراة ، ووصف هنا ب عَلِيمٍ ، وأما الذي ذكرت البشارة به في سورة الصافات [ 101 ] فهو إسماعيل ووصف ب حَلِيمٍ ولذلك فامرأة إبراهيم الحادث عنها هنا هي سارة ، وهي التي ولدت بعد أن أيست ، أما هاجر فقد كانت فتاة ولدت في مقتبل عمرها . وأقبلت امرأته حين سمعت البشارة لها بغلام ، أي أقبلت على مجلس إبراهيم مع ضيفه ، قال تعالى في سورة هود [ 71 ] وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ . وكان النساء يحضرن مجالس الرجال في بيوتهن مع أزواجهن ويؤاكلنهم . وفي « الموطأ » : قال مالك : لا بأس أن تحضر المرأة مع زوجها وضيفه وتأكل معهم . والصّرة : الصياح ، ومنه اشتق الصرير . و فِي للظرفية المجازية وهي الملابسة . والصك : اللطم ، وصكّ الوجه عند التعجب عادة النساء أيامئذ ، ونظيره وضع اليد على الفم في قوله تعالى : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [ إبراهيم : 9 ] . وقولها عَجُوزٌ عَقِيمٌ خبر محذوف ، أي أنا عجوز عقيم . والعجوز : فعول بمعنى فاعل وهو يستوي في المذكر والمؤنث مشتق من العجز ويطلق على كبر السنّ لملازمة العجز له غالبا . والعقيم : فعيل بمعنى مفعول ، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوف مؤنث ، مشتق من عقمها اللّه ، إذا خلقها لا تحمل بجنين ، وكانت سارة لم تحمل قط . وقول الملائكة كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ الإشارة إلى الحادث وهو التبشير بغلام . والكاف