الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
250
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومن جَنَى الْجَنَّتَيْنِ : ما يجنى من ثمارهما ، وهو بفتح الجيم ما يقطف من الثمر . والمعنى : أن ثمر الجنة دان منهم وهم على فرشهم فمتى شاءوا اقتطفوا منه . [ 55 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 55 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 55 ) هو مثل نظائره . [ 56 - 58 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 56 إلى 58 ] فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 56 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 57 ) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ( 58 ) ضمير فِيهِنَّ عائد إلى فرش وهو سبب تأخير نعم أهل الجنة بلذة التأنّس بالنساء عن ما في الجنات من الأفنان والعيون والفواكه والفرش ، ليكون ذكر الفرش مناسبا للانتقال إلى الأوانس في تلك الفرش وليجيء هذا الضمير مفيدا معنى كثيرا من لفظ قليل ، وذلك من خصائص الترتيب في هذا التركيب . ف قاصِراتُ الطَّرْفِ كائنة في الجنة وكائنة على الفرش مع أزواجهن قال تعالى : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً [ الواقعة : 34 - 36 ] الآية . و قاصِراتُ الطَّرْفِ : صفة لموصوف محذوف تقديره نساء ، وشاع المدح بهذا الوصف في الكلام حتى نزّل منزلة الاسم ف قاصِراتُ الطَّرْفِ نساء في نظرهن مثل القصور والغضّ خلقة فيهن ، وهذا نظير ما يقول الشعراء من المولّدين مراض العيون ، أي : مثل المراض خلقة . والقصور : مثل الغضّ من صفات عيون المها والظباء ، قال كعب بن زهير : وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلّا أغنّ غضيض الطرف مكحول أي : كغضيض الطرف وهو الظبي . والطمث بفتح الطاء وسكون الميم مسيس الأنثى البكر ، أي من أبكار . وعبّر عن البكارة ب لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ إطنابا في التحسين ، وقد جاء في الآية الأخرى فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً [ الواقعة : 36 ] . وهؤلاء هن نساء الجنة لا أزواج المؤمنين اللائي كنّ لهم في الدنيا لأنهن قد يكنّ طمثهم أزواج فإن الزوجة في الجنة تكون لآخر من تزوجها في الدنيا .