الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

244

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذه الجملة معترضة تكرير للتقرير والتوبيخ كما هو بيّن ، وانشقاق السماء من أحوال الحشر ، أي فإذا قامت القيامة وانشقت السماء . كما قال تعالى : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّماءُ [ الحاقة : 15 ، 16 ] أن قوله : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ [ الحاقة : 18 ] . وهذا هو الانشقاق المذكور في قوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ في سورة الفرقان [ 25 ، 26 ] . وجملة فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إلخ جواب شرط ( إذا ) . واقترن بالفاء لأنها صدرت باسم زمان وهو فَيَوْمَئِذٍ وذلك لا يصلح لدخول ( إذا ) عليه . ومعنى لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ : نفي السؤال الذي يريد به السائل معرفة حصول الأمر المتردّد فيه ، وهذا مثل قوله تعالى : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [ القصص : 78 ] . وليس هو الذي في قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ، 93 ] وقوله : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [ الصافات : 24 ] ، فإن ذلك للتقرير والتوبيخ فإن يوم القيامة متسع الزمان ، ففيه مواطن لا يسأل أهل الذنوب عن ذنوبهم ، وفيه مواطن يسألون فيها سؤالا تقرير وتوبيخ . وجملة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تكرير للتقرير والتوبيخ . [ 41 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 41 ] يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ( 41 ) هذا استئناف بياني ناشئ عن قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] ، أي يستغنى عن سؤالهم بظهور علاماتهم للملائكة ويعرفونهم بسيماهم فيؤخذون أخذ عقاب ويساقون إلى الجزاء . والسيما : العلامة . وتقدمت في قوله تعالى : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ في آخر سورة البقرة [ 273 ] . و ( آل ) في بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ عوض عن المضاف إليه ، أي بنواصيهم وأقدامهم وهو استعمال كثير في القرآن . والنواصي : جمع ناصية وهي الشعر الذي في مقدّم الرأس ، وتقدم في قوله تعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها في سورة هود [ 56 ] .