الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
241
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للإنس والجنّ في الحياة الدنيا . والتقدير : فنقول لكم كما في قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ [ الأنعام : 128 ] الآية ، أي فنقول : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ، وتقدم في سورة الأنعام . والمعشر : اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة عشرة دون آحاد . وهذا إعلان لهم بأنهم في قبضة اللّه تعالى لا يجدون منجى منها ، وهو ترويع للضالين والمضلّين من الجن والإنس بما يترقبهم من الجزاء السيّئ لأن مثل هذا لا يقال لجمع مختلط إلا والمقصود أهل الجناية منهم فقوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ عام مراد به الخصوص بقرينة قوله بعده يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ [ الرحمن : 35 ] إلخ . والنفوذ والنفاذ : جواز شيء عن شيء وخروجه منه . والشرط مستعمل في التعجيز ، وكذلك الأمر الذي هو جواب هذا الشرط من قوله : فَانْفُذُوا ، أي وأنتم لا تستطيعون الهروب . والمعنى : إن قدرتم على الانفلات من هذا الموقف فافلتوا . وهذا مؤذن بالتعريض بالتخويف مما سيظهر في ذلك الموقف من العقاب لأهل التضليل . والأقطار : جمع قطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية الواسعة من المكان الأوسع ، وتقدم في قوله تعالى : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها في سورة الأحزاب [ 14 ] . وذكر السماوات والأرض لتحقيق إحاطة الجهات كلها تحقيقا للتعجيز ، أي فهذه السماوات والأرض أمامكم فإن استطعتم فأخرجوا من جهة منها فرارا من موقفكم هذا ، وذلك أن تعدد الأمكنة يسهل الهروب من إحدى جهاتها . والأرض المذكورة هنا إما أن تكون الأرض التي في الدنيا وذلك حين البعث ، وإما أن تكون أرض الحشر وهي التي سماها القرآن بِالسَّاهِرَةِ في سورة النازعات [ 14 ] ، وقال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] ، وإما أن يكون ذلك جاريا مجرى المثل المستعمل للمبالغة في إحاطة الجهات كقول أبي بكر الصديق : « أيّ أرض تقلني ، وأيّ سماء تظلني » . وهذه المعاني لا تتنافى ، وهي من حدّ إعجاز القرآن .