الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

230

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على مصالح الجان ، ومن تأهله لعمران العالم لكونه مخلوقا من طينته إذ الفضيلة تحصل من مجموع أوصاف لا من خصوصيات مفردة . [ 16 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 16 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) هذا توبيخ على عدم الاعتراف بنعم اللّه تعالى ، جيء فيه بمثل ما جيء به في نظيره الذي سبقه ليكون التوبيخ بكلام مثل سابقه ، وذلك تكرير من أسلوب التوبيخ ونحوه أن يكون بمثل الكلام السابق ، فحق هذا أن يسمى بالتعداد لا بالتكرار ، لأنه ليس تكريرا لمجرد التأكيد ، فالفاء من قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما * هنا تفريع على قوله : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [ الرحمن : 17 ] لأن ربوبيته تقتضي الاعتراف له بنعمة الإيجاد والإمداد وتحصل من تماثل الجمل المكررة فائدة التأكيد والتقرير أيضا فيكون للتكرير غرضان كما قدمناه في الكلام على أول السورة . وفائدة التكرير توكيد التقرير بما للّه تعالى من نعم على المخاطبين وتعريض بتوبيخهم على إشراكهم باللّه أصناما لا نعمة لها على أحد ، وكلها دلائل على تفرد الإلهية . وعن ابن قتيبة « أن اللّه عدّد في هذه السورة نعماء ، وذكر خلقه آلاءه ثم أتبع كل خلة وصفها ، ونعمة وضعها بهذه ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها » اه . وقال الحسين بن الفضل « 1 » : التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة . وقال الشريف المرتضى في مجالسه وأماله المسمّى « الدرر والغرر » : وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم ، قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا : على أن ليس عدلا من كليب * إذا طرد اليتيم عن الجزور وذكر المصراع الأول ثماني مرات في أوائل أبيات متتابعة . وقال الحارث بن عياد : قرّبا مربط النعامة مني * لقحت حرب وائل عن حبال ثم كرر قوله : قرّبا مربط النعامة مني ، في أبيات كثيرة من القصيد . وهكذا القول في نظائر قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * المذكور هنا إلى ما في آخر السورة .

--> ( 1 ) الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي النيسابوري توفي سنة 282 ه ، وعمره مائة وأربع سنين ، له « تفسير القرآن » .