الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
227
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْعَصْفِ للتحسين وللتذكير بمنة جمال الزرع حين ظهوره في سنبله في حقوله نظير وصف النخل بذات الأكمام ولأن في الموصوف ووصفه أقوات البشر وحيوانهم . وقرأ الجمهور وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ برفع الْحَبُّ ورفع الرَّيْحانُ ورفع ذُو ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف برفع الْحَبُّ و ذُو وبجر الرَّيْحانُ عطفا على الْعَصْفِ . وقرأه ابن عامر بنصب الأسماء الثلاثة وعلامة نصب ذا العصف الألف . وكذلك كتب في مصحف الشام عطفا على الْأَرْضَ أو هو على الاختصاص . و الرَّيْحانُ : ما له رائحة ذكية من الأزهار والحشائش وهو فعلان من الرائحة ، وإنما سمي به ما له رائحة طيبة . وهذا اعتبار وامتنان بالنبات المودعة فيه الأطياب مثل الورد والياسمين وما يسمى بالريحان الأخضر . [ 13 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 13 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) الفاء للتفريع على ما تقدم من المنن المدمجة مع دلائل صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم وحقّية وحي القرآن ، ودلائل عظمة اللّه تعالى وحكمته باستفهام عن تعيين نعمة من نعم اللّه يتأتى لهم إنكارها ، وهو تذييل لما قبله . و ( أيّ ) استفهام عن تعيين واحد من الجنس الذي تضاف إليه وهي هنا مستعملة في التقرير بذكر ضدّ ما يقربه مثل قوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] . وقد بينته عند قوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ في سورة الأنعام [ 130 ] ، أي لا يستطيع أحد منكم أن يجحد نعم اللّه . والآلاء : النعم جمع : إلي بكسر الهمزة وسكون اللام ، وألي بفتح الهمزة وسكون اللام وياء في آخره ويقال ألو بواو عوض الياء وهو النعمة . وضمير المثنى في رَبِّكُما تُكَذِّبانِ خطاب لفريقين من المخاطبين بالقرآن . والوجه عندي أنه خطاب للمؤمنين والكافرين الذين ينقسم إليهما جنس الإنسان المذكور في قوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ [ الرحمن : 3 ] وهم المخاطبون بقوله : أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ [ الرحمن : 8 ] الآية والمنقسم إليهما الأنام المتقدم ذكره ، أي أن نعم اللّه على الناس لا يجحدها كافر بله المؤمن ، وكل فريق يتوجه إليه الاستفهام بالمعنى الذي يناسب حاله .