الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
225
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والباء للمصاحبة . والمعنى : اجعلوا العدل ملازما لما تقوّمونه من أموركم كما قال تعالى : وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [ الأنعام : 152 ] وكما قال : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا [ المائدة : 8 ] ، فيكون قوله : بِالْقِسْطِ ظرفا مستقرا في موضع الحال ، أو الباء للسببية ، أي راعوا في إقامة التمحيص ما يقتضيه العدل ، فيكون قوله : بِالْقِسْطِ طرفا لغوا متعلقا ، وقد كان المشركون يعهدون إلى التطفيف في الوزن كما جاء في قوله تعالى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [ المطففين : 1 - 3 ] . فلما كان التطفيف سنة من سنن المشركين تصدت للآية للتنبيه عليه ، ويجيء على الاعتبارين تفسير قوله : وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ فإن حمل الميزان فيه على معنى العدل كان المعنى النهي عن التهاون بالعدل لغفلة أو تسامح بعد أن نهى عن الطغيان فيه ، ويكون إظهار لفظ الميزان في مقام ضميره تنبيها على شدة عناية اللّه بالعدل ، وإن حمل فيه على آلة الوزن كان المعنى النهي عن غبن الناس في الوزن لهم كما قال تعالى في سورة المطففين [ 3 ] وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ . والإخسار : جعل الغير خاسرا والخسارة النقص . فعلى حمل الميزان على معنى العدل يكون الإخسار جعل صاحب الحق خاسرا مغبونا ؛ ويكون الْمِيزانَ منصوبا على نزع الخافض ، وعلى حمل الميزان على معنى آلة الوزن يكون الإخسار بمعنى النقص ، أي لا تجعلوا الميزان ناقصا كما قال تعالى : وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ [ هود : 84 ] ، وقد علمت هذا النظم البديع في الآية الصالح لهذه المحامل . [ 10 - 12 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 10 إلى 12 ] وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ( 11 ) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) عطف على وَالسَّماءَ رَفَعَها [ الرحمن : 7 ] وهو مقابله في المزاوجة والوضع يقابل الرفع ، فحصل محسّن الطباق مرتين ، ومعنى وَضَعَها خفضها لهم ، أي جعلها تحت أقدامهم وجنوبهم لتمكينهم من الانتفاع بها بجميع ما لهم فيها من منافع ومعالجات . واللام في لِلْأَنامِ للأجل . والأنام : اختلفت أقوال أهل اللغة والتفسير فيه ، فلم يذكره الجوهري ولا الراغب في « مفردات القرآن » ولا ابن الأثير في « النهاية » ولا أبو البقاء الكفوي في « الكليات » . وفسره الزمخشري بقوله : « الخلق وهو كل ما ظهر على وجه