الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
222
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والسجود : يطلق على وضع الوجه على الأرض بقصد التعظيم ، ويطلق على الوقوع على الأرض مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق ، أو استعارة ومنه قولهم : « نخلة ساجدة » إذا أمالها حملها ، فسجود نجوم السماء نزولها إلى جهات غروبها ، وسجود نجم الأرض التصاقه بالتراب كالساجد ، وسجود الشجر تطأطؤه بهبوب الرياح ودنوّ أغصانه للجانين لثماره والخابطين لورقه ، ففعل يَسْجُدانِ مستعمل في معنيين مجازيين وهما الدنو للمتناول والدلالة على عظمة اللّه تعالى بأن شبه ارتسام ظلالهما على الأرض بالسجود كما قال تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ في سورة الرعد [ 15 ] ، وكما قال امرؤ القيس : يكبّ على الأذ * قان وح الكنهبل فقال : على الأذقان ، ليكون الانكباب مشبها بسقوط الإنسان على الأرض بوجهه ففيه استعارة مكنية ، وذكر الأذقان تخييل ، وعليه يكون فعل يَسْجُدانِ هنا مستعملا في مجازه ، وذلك يفيد أن اللّه خلق في الموجودات دلالات عدّة على أن اللّه موجدها ومسخرها ، ففي جميعها دلالات عقلية ، وفي بعضها أو معظمها دلالات أخرى رمزية وخيالية لتفيد منها العقول المتفاوتة في الاستدلال . [ 7 - 9 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) اطّرد في هذه الآية أسلوب المقابلة بين ما يشبه الضدين بعد مقابلة ذكر الشمس والقمر بذكر النجم والشجر ، فجيء بذكر خلق السماء وخلق الأرض . وعاد الكلام إلى طريقة الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي كما في قوله : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرحمن : 1 ، 2 ] ، وهذا معطوف على الخبر فهو في معناه . ورفع السماء يقتضي خلقها . وذكر رفعها لأنه محل العبرة بالخلق العجيب . ومعنى رفعها : خلقها مرفوعة إذ كانت مرفوعة بغير أعمدة كما يقال للخياط : وسّع جيب القميص ، أي خطه واسعا على أن في مجرد الرفع إيذانا بسموّ المنزلة وشرفها لأن فيها منشأ أحكام اللّه ومصدر قضائه ، ولأنها مكان الملائكة ، وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . وتقديم السماء على الفعل الناصب له زيادة في الاهتمام بالاعتبار بخلقها .