الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الربّ سبحانه . وضمير إِنَّهُ لَحَقٌّ عائد إلى ما تُوعَدُونَ [ الذاريات : 22 ] . وهذا من ردّ العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ [ الذاريات : 5 ] وانتهى الغرض . وقوله : مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون . وهذا نظير قولهم : كما أن قبل اليوم أمس ، أو كما أن بعد اليوم غدا . وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة ، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير : فهن ووادي الرسّ كاليد للفم وقولهم : مثل ما أنك هاهنا ، وقولهم : كما أنك ترى وتسمع . وقرأ الجمهور مِثْلَ بالنصب على أنه صفة حال محذوف قصد منه التأكيد . والتقدير : إنه لحق حقا مثل ما أنكم تنطقون . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف مرفوعا على الصفة لَحَقٌّ صفة أريد بها التشبيه . و ما الواقعة بعد مِثْلَ زائدة للتوكيد . وأردفت ب ( أنّ ) المفيدة للتأكيد تقوية لتحقيق حقية ما يوعدون . واجتلب المضارع في تَنْطِقُونَ دون أن يقال : نطقكم ، يفيد التشبيه بنطقهم المتجدد وهو أقوى في الوقوع لأنه محسوس . [ 24 - 30 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 24 إلى 30 ] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 ) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 ) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 30 ) انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل . والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا وغيّر أسلوب الكلام من خطاب المنذرين مواجهة إلى أسلوب التعريض تفننا بذكر قصة إبراهيم لتكون توطئة للمقصود من ذكر ما حلّ بقوم لوط حين كذبوا رسولهم ، فالمقصود هو ما بعد