الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

217

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أظهر الوجوه في تأويلها وهو التعريض بالمخاطبين بأنهم أخطئوا في إنكارهم الحقائق . وافتتح باسم الرَّحْمنُ فكان فيه تشويق جميع السامعين إلى الخبر الذي يخبر به عنه إذ كان المشركون لا يألفون هذا الاسم قال تعالى : قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [ الفرقان : 60 ] ، فهم إذا سمعوا هذه الفاتحة ترقبوا ما سيرد من الخبر عنه ، والمؤمنون إذا طرق أسماعهم هذا الاسم استشرفوا لما سيرد من الخبر المناسب لوصفه هذا مما هم متشوقون إليه من آثار رحمته . على أنه قد قيل : إن هذه السورة نزلت بسبب قول المشركين في النبي صلى اللّه عليه وسلم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل : 103 ] ، أي يعلمه القرآن فكان الاهتمام بذكر الذي يعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن أقوى من الاهتمام بالتعليم . وأوثر استحضار الجلالة باسم الرَّحْمنُ دون غيره من الأسماء لأن المشركين يأبون ذكره فجمع في هذه الجملة بين ردّين عليهم مع ما للجملة الاسمية من الدلالة على ثبات الخبر ، ولأن معظم هذه السورة تعداد للنعم والآلاء فافتتاحها باسم الرَّحْمنُ براعة استهلال . وقد أخبر عن هذا الاسم بأربعة أخبار متتالية غير متعاطفة رابعها هو جملة الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [ الرحمن : 5 ] كما سيأتي لأنها جيء بها على نمط التعديد في مقام الامتنان والتوقيف على الحقائق والتبكيت للخصم في إنكارهم صريح بعضها ، وإعراضهم عن لوازم بعضها كما سيأتي ، ففصل جملتي خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 3 ، 4 ] عن جملة عَلَّمَ الْقُرْآنَ خلاف مقتضى الظاهر لنكتة التعديد للتبكيت . وعطف عليها أربعة أخر بحرف العطف من قوله : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ إلى قوله : وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ [ الرحمن : 6 - 10 ] وكلها دالة على تصرفات اللّه ليعلمهم أن الاسم الذي استنكروه هو اسم اللّه وأن المسمى واحد . وجيء بالمسند فعلا مؤخرا عن المسند إليه لإفادة التخصيص ، أي هو علّم القرآن لا بشر علمه وحذف المفعول الأول لفعل عَلَّمَ الْقُرْآنَ لظهوره ، والتقدير : علّم محمدا صلى اللّه عليه وسلم لأنهم ادعوا أنه معلّم وإنما أنكروا أن يكون معلّمه القرآن هو اللّه تعالى وهذا تبكيت أول . وانتصب الْقُرْآنَ على أنه مفعول ثان لفعل عَلَّمَ ، وهذا الفعل هنا معدّى إلى مفعولين فقط لأنه ورد على أصل ما يفيده التضعيف من زيادة مفعول آخر مع فاعل فعله