الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
211
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إهلاكهم ، فالأجدر تحذير الحاضرين من سوء أعمالهم . و الزُّبُرِ : جمع زبور وهو الكتاب مشتق من الزبر ، وهو الكتابة ، وجمعت الزبر لأن لكل واحد كتاب أعماله ، قال تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتابَكَ [ الإسراء : 13 ، 14 ] الآية . وعموم كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ مراد به خصوص ما كان من الأفعال عليه مؤاخذة في الآخرة . [ 53 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 53 ] وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) هذا كالتذييل لقوله : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ [ القمر : 52 ] فكل صغير وكبير أعمّ من كل شيء فعلوه ، والمعنى : وكل شيء حقير أو عظيم مستطر ، أي مكتوب مسطور ، أي في علم اللّه تعالى أي كل ذلك يعلمه اللّه ويحاسب عليه ، فمستطر : اسم مفعول من سطر إذا كتب سطورا قال تعالى : وَكِتابٍ مَسْطُورٍ [ الطور : 2 ] . وهذا كقوله تعالى : وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] وقوله : لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سبأ : 3 ] . فالصغير : مستعار للشيء الذي لا شأن له ولا يهتم به الناس ولا يؤاخذ عليه فاعله ، أو لا يؤاخذ عليه مؤاخذة عظيمة . والكبير : مستعار لضده ويدخل في ذلك ما له شأن من الصلاح وما له شأن من الفساد وما هو دون ذلك ، وذلك أفضل الأعمال الصالحة وما دونه من الأعمال الصالحة ، وكذلك كبائر الإثم والفواحش وما دونها من اللمم والصغائر . والمستطر : كناية عن علم اللّه به وذلك كناية عن الجزاء عليه مكان ذلك جامعا للتبشير والإنذار . [ 54 ، 55 ] [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 54 إلى 55 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) استئناف بياني لأنه لما ذكر أن كل صغير وكبير مستطر على إرادة أنه معلوم ومجازى عليه وقد علم جزاء المجرمين من قوله : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [ القمر : 47 ] كانت نفس السامع بحيث تتشوف إلى مقابل ذلك من جزاء المتقين وجريا على عادة القرآن من