الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
204
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [ القصص : 42 ] فلا يناسب أن يكون الضلال ضد الهدى . ويجوز أن يكون يَوْمَ يُسْحَبُونَ ظرفا للكون الذي في خبر إِنَّ ، أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار . فالمعنى : أنهم في ضلال وسعر يوم القيامة و سُعُرٍ جمع سعير ، وهو النار ، وجمع السعير لأنه قوي شديد . والسحب : الجرّ ، وهو في النار أشد من ملازمة المكان لأنه به يتجدد مماسة نار أخرى فهو أشد تعذيبا . وجعل السحب على الوجوه إهانة لهم . و ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ مقول قول محذوف ، والجملة مستأنفة . والذوق مستعار للإحساس . وصيغة الأمر مستعملة في الإهانة والمجازاة . والمس مستعمل في الإصابة على طريقة المجاز المرسل . وسقر : علم على جهنم ، وهو مشتق من السّقر بسكون القاف وهو التهاب في النار ، ف سَقَرَ وضع علما لجهنم ، ولذلك فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث ، لأن جهنم اسم مؤنث معنى اعتبروا فيه أن مسماه نار والنار مؤنثة . والآية تتحمل معنى آخر ، وهو أن يراد بالضلال ضد الهدى وأن الإخبار عن المجرمين بأنهم ليسوا على هدى ، وأن ما هم فيه باطل وضلال ، وذلك في الدنيا ، وأن يراد بالسّعر نيران جهنم وذلك في الآخرة فيكون الكلام على التقسيم . أو يكون السّعر بمعنى الجنون ، يقال : سعر بضمتين وسعر بسكون العين ، أي جنون ، من قول العرب ناقة مسعورة ، أي شديدة السرعة كأن بها جنونا كما تقدم عند قوله تعالى : إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ في هذه السورة [ 24 ] . وروي عن ابن عباس وفسر به أبو علي الفارسي قائلا : لأنهم إن كانوا في السعير لم يكونوا في ضلال لأن الأمر قد كشف لهم وإنما وصف حالهم في الدنيا ، وعليه فالضلال والسعر حاصلان لهم في الدنيا . [ 49 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 49 ] إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 )