الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

202

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

منجز وعده ولا يزيد ذلك الكافرين إلا غرورا فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته كما قال تعالى في نحو ذلك : وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [ الأنفال : 44 ] . والتعريف في الْجَمْعُ للعهد ، أي الجمع المعهود من قوله : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ والمعنى : سيهزم جمعهم . وهذا معنى قول النحاة : اللام عوض عن المضاف إليه . والهزم : الغلب ، والسين لتقريب المستقبل ، كقوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [ آل عمران : 12 ] . وبني الفعل للمجهول لظهور أن الهازم المسلمون . و يُوَلُّونَ : يجعلون غيرهم يلي ، فهو يتعدى بالتضعيف إلى مفعولين ، وقد حذف مفعوله الأول هنا للاستغناء عنه إذ الغرض الإخبار عنهم بأنهم إذا جاء الوغى يفرون ويولّونكم الأدبار . و الدُّبُرَ : الظهر ، وهو ما أدبر ، أي كان وراء ، وعكسه القبل . والآية : إخبار بالغيب ، فإن المشركين هزموا يوم بدر ، وولوا الأدبار يومئذ ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق ففرّوا بليل كما مضى في سورة الأحزاب وقد ثبت في « الصحيح » أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال ، إيماء إلى تحقيق وعد اللّه بعذابهم في الدنيا . وأفرد الدبر ، والمراد الجمع لأنه جنس يصدق بالمتعدد ، أي يولي كل أحد منهم دبره ، وذلك لرعاية الفاصلة ومزاوجة القرائن ، على أن انهزام الجمع انهزامة واحدة ولذلك الجيش جهة تولّ واحدة . وهذا الهزم وقع يوم بدر . روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال : « لما نزلت سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ جعلت أقول : أيّ جمع يهزم ؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يثب في الدرع ، ويقول : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » اه ، أي لم يتبين له المراد بالجمع الذي سيهزم ويولّي الدبر فإنه لم يكن يومئذ قتال ولا كان يخطر لهم ببال . [ 46 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 46 ] بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 ) بَلِ للإضراب الانتقالي ، وهو انتقال من الوعيد بعذاب الدنيا كما حل بالأمم قبلهم ، إلى الوعيد بعذاب الآخرة . قال تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ