الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
195
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكذلك جملة نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ، وجملة كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ . والحاصب : الريح التي تحصب ، أي ترمي بالحصباء ترفعها من الأرض لقوتها ، وتقدم في قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً في سورة العنكبوت [ 40 ] . والاستثناء حقيقي لأن آل لوط من جملة قومه . و آلَ لُوطٍ : قرابته وهم بناته ، ولوط داخل بدلالة الفحوى . وقد ذكر في آيات أخرى أن زوجة لوط لم ينجها اللّه ولم يذكر ذلك هنا اكتفاء بمواقع ذكره وتنبيها على أن من لا يؤمن بالرسول لا يعد من آله ، كما قال : يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] . وذكر بِسَحَرٍ ، أي في وقت السحر للإشارة إلى إنجائهم قبيل حلول العذاب بقومهم لقوله بعده : وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ . وانتصب نِعْمَةً على الحال من ضمير المتكلم ، أي إنعاما منا . وجملة كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ معترضة ، وهي استئناف بياني عن جملة نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ باعتبار ما معها من الحال ، أي إنعاما لأجل أنه شكر ، ففيه إيماء بأن إهلاك غيرهم لأنهم كفروا ، وهذا تعريض بإنذار المشركين وبشارة للمؤمنين . وفي قوله : مِنْ عِنْدِنا تنويه بشأن هذه النعمة لأن ظرف ( عند ) يدل على الادخار والاستئثار مثل ( لدن ) في قوله : مِنْ لَدُنَّا * . فذلك أبلغ من أن يقال : نعمة منا أو أنعمنا . [ 36 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 36 ] وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 ) عطف على جملة إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً [ القمر : 34 ] . وتأكيد الكلام بلام القسم وحرف التحقيق يقصد منه تأكيد الغرض الذي سيقت القصة لأجله وهو موعظة قريش الذين أنذرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتماروا بالنذر . والبطشة : المرّة من البطش ، وهو الأخذ بعنف لعقاب ونحوه ، وتقدم في قوله : أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها في آخر الأعراف [ 195 ] ، وهي هنا تمثيل للإهلاك السريع مثل قوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى في سورة الدخان [ 16 ] . والتماري : تفاعل من المراء وهو الشك . وصيغة المفاعلة للمبالغة . وضمن