الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطية : واختلف الناس في الْمَحْرُومِ اختلافا هو عندي تخليط من المتأخرين إذ المعنى واحد عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالا . قلت ذكر القرطبي أحد عشر قولا كلها أمثلة لمعنى الحرمان ، وهي متفاوتة في القرب من سياق الآية فما صلح منها لأن يكون مثالا للغرض قبل وما لم يصلح فهو مردود ، مثل تفسير من فسر المحروم بالكلب . وفي « تفسير ابن عطية » عن الشعبي : أعياني أن أعلم ما المحروم . وزاد القرطبي في رواية عن الشعبي قال : لي اليوم سبعون سنة منذ احتملت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ . [ 20 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 20 ] وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) هذا متصل بالقسم وجوابه من قوله : وَالذَّارِياتِ [ الذاريات : 1 ] وقوله : وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ إلى قوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ « 1 » [ الذاريات : 6 ، 7 ] فبعد أن حقق وقوع البعث بتأكيده بالقسم انتقل إلى تقريبه بالدليل لإبطال إحالتهم إياه ، فيكون هذا الاستدلال كقوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى [ فصلت : 39 ] . وما بين هاتين الجملتين اعتراض ، فجملة وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ يجوز أن تكون معطوفة على جملة جواب القسم وهي إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ [ الذاريات : 5 ] . والمعنى : وفي ما يشاهد من أحوال الأرض آيات للموقنين وهي الأحوال الدالة على إيجاد موجودات بعد إعدام أمثالها وأصولها مثل إنبات الزرع الجديد بعد أن باد الذي قبله وصار هشيما . وهذه دلائل واضحة متكررة لا تحتاج إلى غوص الفكر فلذلك لم تقرن هذه الآيات بما يدعو إلى التفكر كما قرن قوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . واعلم أن الآيات المرموقة من أحوال الأرض صالحة للدلالة أيضا على تفرده تعالى بالإلهية في كيفية خلقها ودحوها للحيوان والإنسان ، وكيف قسمت إلى سهل وجبال وبحر ، ونظام إنباتها الزرع والشجر ، وما يخرج من ذلك من منافع للناس ، ولهذا حذف تقييد آيات بمتعلّق ليعمّ كل ما تصلح الآيات التي في الأرض أن تدل عليه . وتقديم الخبر في قوله : وَفِي الْأَرْضِ للاهتمام والتشويق إلى ذكر المبتدأ .
--> ( 1 ) في المطبوعة : وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ إلى قوله : وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ، والمثبت هو الأنسب للسياق .