الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

185

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأريد ب يَوْمِ نَحْسٍ أول أيام الريح التي أرسلت على عاد إذ كانت سبعة أيام إلا يوما كما في قوله تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ في سورة فصّلت [ 16 ] وقوله : سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً في سورة الحاقة [ 7 ] . والنحس : سوء الحال . وإضافة يَوْمِ إلى نَحْسٍ من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه كقولهم يوم تحلاق اللمم ، ويوم فتح مكة . وإنما يضاف اليوم إلى النحس باعتبار المنحوس ، فهو يوم نحس للمعذبين يوم نصر للمؤمنين ومصائب قوم عند قوم فوائد . . وليس في الأيام يوم يوصف بنحس أو بسعد لأن كل يوم تحدث فيه نحوس لقوم وسعود لآخرين ، وما يروى من أخبار في تعيين بعض أيام السنة للنحس هو من أغلاط القصاصين فلا يلقي المسلم الحق إليها سمعه . واشتهر بين كثير من المسلمين التشاؤم بيوم الأربعاء . وأصل ذلك انجرّ لهم من عقائد مجوس الفرس ، ويسمون الأربعاء التي في آخر الشهر « الأربعاء التي لا تدور » ، أي لا تعود ، أرادوا بهذا الوصف ضبط معنى كونها آخر الشهر لئلا يظن أنه جميع النصف الأخير منه وإلّا فأيّة مناسبة بين عدم الدوران وبين الشؤم ، وما من يوم إلّا وهو يقع في الأسبوع الأخير من الشهر ولا يدور في ذلك الشهر . ومن شعر بعض المولدين من الخراسانيين : لقاؤك للمبكّر فأل سوء * ووجهك أربعاء لا تدور وانظر ما تقدم في سورة فصّلت . و مُسْتَمِرٍّ : صفة نَحْسٍ ، أي نحس دائم عليهم فعلم من الاستمرار أنه أبادهم إذ لو نجوا لما كان النحس مستمرا . وليس مُسْتَمِرٍّ صفة ل يَوْمِ إذ لا معنى لوصفه بالاستمرار . والكلام في اشتقاق مستمر تقدم آنفا عند قوله تعالى : وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [ القمر : 2 ] . ويجوز أن يكون مشتقا من مرّ الشيء قاصرا ، إذا كان مرّا ، والمرارة مستعارة للكراهية والنفرة فهو وصف كاشف لأن النحس مكروه .