الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لدعوته ولنصره فهو المقصود الأول من هذا الحمل ، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [ الأعراف : 72 ] وقوله : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [ المؤمنون : 28 ] ونحوه من الآيات الدالة على أنه المقصود بالإنجاء وأن نجاة قومه بمعيته ، وحسبك قوله تعالى في تذييل هذه الآية جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ فإن الذي كان كفر هو نوح كفر به قومه . و عَلى للاستعلاء المجازي وهو التمكن كقوله تعالى : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ ، وإلا فإن استقراره في السفينة كائن في جوفها كما قال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [ الحاقة : 11 ] قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ هود : 40 ] . والباء في بِأَعْيُنِنا للملابسة . والأعين : جمع عين بإطلاقه المجازي ، وهو الاهتمام والعناية ، كقول النابغة : علمتك ترعاني بعين بصيرة وقال تعالى : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] . وجمع العين لتقوية المعنى لأن الجمع أقوى من المفرد ، أي بحراسات منّا وعنايات . ويجوز أن يكون الجمع باعتبار أنواع العنايات بتنوع آثارها . وأصل استعمال لفظ العين في مثله تمثيل بحال الناظر إلى الشيء المحروس مثل الراعين كما يقال للمسافر : « عين اللّه عليك » ، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فجمع بذلك الاعتبار . وتقدم في سورة هود . و جَزاءً مفعول لأجله لفتحنا وما عطف عليه ، أي : فعلنا ذلك كله جزاء لنوح . و لِمَنْ كانَ كُفِرَ هو نوح فإن قومه كفروا به ، أي لم يؤمنوا بأنه رسول وكان كفرهم به منذ جاءهم بالرسالة فلذلك أقحم هنا فعل كانَ ، أي لمن كفر منذ زمان مضى وذلك ما حكي في سورة نوح [ 5 - 9 ] بقوله : قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً إلى قوله : ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً . وحذف متعلق كُفِرَ لدلالة الكلام عليه . وتقديره : كفر به ، أو لأنه نصح لهم ولقي في ذلك أشد العناء فلم يشكروا له بل كفروه فهو مكفور فيكون من باب قوله تعالى : وَلا تَكْفُرُونِ [ البقرة : 152 ] .