الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
175
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا الوجه يتأتّى في قوله تعالى : وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي في سورة سبأ [ 45 ] . ويجوز أن يكون قوله : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ إخبارا عن تكذيبهم بتفرد اللّه بالإلهية حين تلقوه من الأنبياء الذين كانوا قبل نوح ولم يكن قبله رسول وعلى هذا الوجه يكون التفريع ظاهرا . و ازْدُجِرَ معطوف على قالُوا وهو افتعل من الزجر . وصيغة الافتعال هنا للمبالغة مثلها : افتقر واضطر . ونكتة بناء الفعل للمجهول هنا التوصل إلى حذف ما يسند إليه فعل الازدجار المبني للفاعل وهو ضمير قَوْمُ نُوحٍ ، فعدل على أن يقال : وازدجروه ، إلى قوله : وَازْدُجِرَ محاشاة للدّال على ذات نوح وهو ضمير من أن يقع مفعولا لضميرهم . ومرادهم أنهم ازدجروه ، أي نهوه عن ادعاء الرسالة بغلظة قال تعالى : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ [ الأعراف : 66 ] وقال : قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ الشعراء : 116 ] وقال : وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [ هود : 38 ] . [ 10 - 14 ] [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 10 إلى 14 ] فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) تفريع على كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [ القمر : 9 ] وما تفرع عليه . والمغلوب مجاز ، شبه يأسه من إجابتهم لدعوته بحال الذي قاتل أو صارع فغلبه مقاتله ، وقد حكى اللّه تعالى في سورة نوح كيف سلك مع قومه وسائل الإقناع بقبول دعوته فأعيته الحيل . و أَنِّي بفتح الهمزة على تقدير باء الجر محذوفة ، أي دعا بأني مغلوب ، أي بمضمون هذا الكلام في لغته . وحذف متعلق فَانْتَصِرْ للإيجاز وللرعي على الفاصلة والتقدير : فانتصر لي ، أي انصرني .