الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

173

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والأجداث : جمع جدث وهو القبر ، وقد جعل اللّه خروج الناس إلى الحشر من مواضع دفنهم في الأرض ، كما قال : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [ طه : 55 ] فيعاد خلق كل ذات من التراب الذي فيه بقية من أجزاء الجسم وهي ذرات يعلمها اللّه تعالى . والجراد : اسم جمع واحده جرادة وهي حشرة ذات أجنحة أربعة مطوية على جنبيها وأرجل أربعة ، أصفر اللون . والمنتشر : المنبثّ على وجه الأرض . والمراد هنا : الدّبى وهو فراخ الجراد قبل أن تظهر له الأجنحة لأنه يخرج من ثقب في الأرض هي مبيضات أصوله فإذا تم خلقه خرج من الأرض يزحف بعضه فوق بعض قال تعالى : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [ القارعة : 4 ] . وهذا التشبيه تمثيلي لأنه تشبيه هيئة خروج الناس من القبور متراكمين بهيئة خروج الجراد متعاظلا يسير غير ساكن . [ 9 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 9 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 ) استئناف بيانيّ ناشئ عن قوله : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ [ القمر : 4 ] فإن من أشهرها تكذيب قوم نوح رسولهم ، وسبق الإنباء به في القرآن في السور النازلة قبل هذه السورة . والخبر مستعمل في التذكير وليفرع عليه ما بعده . فالمقصود النعي عليهم عدم ازدجارهم بما جاءهم من الأنباء بتعداد بعض المهمّ من تلك الأنباء . وفائدة ذكر الظرف قَبْلَهُمْ تقرير تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي أن هذه شنشنة أهل الضلال كقوله تعالى : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [ فاطر : 4 ] ألا ترى أنه ذكر في تلك الآية قوله : مِنْ قَبْلِكَ نظير ما هنا مع ما في ذلك من التعريض بأن هؤلاء معرضون . واعلم أنه يقال : كذّب ، إذا قال قولا يدل على التكذيب ، ويقال كذّب أيضا ، إذا اعتقد أن غيره كاذب قال تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [ الأنعام : 33 ] في قراءة الجمهور بتشديد الذال ، والمعنيان محتملان هنا ، فإن كان فعل كَذَّبَتْ هنا مستعملا في معنى القول بالتكذيب ، فإن قوم نوح شافهوا نوحا بأنه كاذب ، وإن كان مستعملا في اعتقادهم كذبه ، فقد دلّ على اعتقادهم إعراضهم عن إنذاره وإهمالهم الانضواء إليه عندما أنذرهم بالطوفان .