الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

169

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ الجمهور برفع الراء من مُسْتَقِرٌّ . وقرأه أبو جعفر بخفض الراء على جعل كُلُّ أَمْرٍ عطفا على السَّاعَةُ [ القمر : 1 ] . والتقدير : واقترب كل أمر . وجعل مُسْتَقِرٌّ صفة أَمْرٍ . والمعنى : أن إعراضهم عن الآيات وافتراءهم عليها بأنها سحر ونحوه وتكذيبهم الصادق وتمالؤهم على ذلك لا يوهن وقعها في النفوس ولا يعوق إنتاجها . فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم صائر إلى مصير أمثاله الحق من الانتصار والتمام واقتناع الناس به وتزايد أتباعه ، وأن اتباعهم أهواءهم واختلاق معاذيرهم صائر إلى مصير أمثاله الباطلة من الانخذال والافتضاح وانتقاص الأتباع . وقد تضمن هذا التذييل بإجماله تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم وتهديدا للمشركين واستدعاء لنظر المترددين . [ 4 ، 5 ] [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) عطف على جملة وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ [ القمر : 3 ] أي جاءهم في القرآن من أنباء الأمم ما فيه مزدجر لهؤلاء ، أو أريد بالأنباء الحجج الواردة في القرآن ، أي جاءهم ما هو أشد في الحجة من انشقاق القمر . و مِنَ الْأَنْباءِ بيان ما فيه مزدجر قدم على المبين و مِنَ بيانية . والمزدجر : مصدر ميمي ، وهو مصاغ بصيغة اسم المفعول الذي فعله زائد على ثلاثة أحرف . ازدجره بمعنى زجره ، ومادة الافتعال فيه للمبالغة . والدال بدل من تاء الافتعال التي تبدل بعد الزاي إلّا مثل ازداد ، أي ما فيه مانع لهم من ارتكاب ما ارتكبوه . والمعنى : ما هو زاجر لهم فجعل الازدجار مظروفا فيه مجازا للمبالغة في ملازمته له على طريقة التجريد كقوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] أي هو أسوة . و حِكْمَةٌ بالِغَةٌ بدل من ما ، أي جاءهم حكمة بالغة . والحكمة : إتقان الفهم وإصابة العقل . والمراد هنا الكلام الذي تضمن الحكمة ويفيد سامعه حكمة ، فوصف الكلام بالحكمة مجاز عقلي كثير الاستعمال ، وتقدم في سورة البقرة