الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
162
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنزل على محمد بمكة وإني لجارية ألعب بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ القمر : 46 ] . وكانت عقد عليها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين ، أي في أواخر سنة أربع قبل الهجرة بمكة ، وعائشة يومئذ بنت ست سنين ، وذكر بعض المفسرين أن انشقاق القمر كان سنة خمس قبل الهجرة وعن ابن عباس كان بين نزول آية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] وبين بدر سبع سنين . أغراض هذه السورة تسجيل مكابرة المشركين في الآيات البينة ، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالإعراض عن مكابرتهم . وإنذارهم باقتراب القيامة وبما يلقونه حين البعث من الشدائد . وتذكيرهم بما لقيته الأمم أمثالهم من عذاب الدنيا لتكذيبهم رسل اللّه وأنهم سيلقون مثلما لقي أولئك إذ ليسوا خيرا من كفار الأمم الماضية . وإنذارهم بقتال يهزمون فيه ، ثم لهم عذاب الآخرة وهو أشدّ . وإعلامهم بإحاطة اللّه علما بأفعالهم وأنه مجازيهم شر الجزاء ومجاز المتقين خير الجزاء . وإثبات البعث ، ووصف بعض أحواله . وفي خلال ذلك تكرير التنويه بهدي القرآن وحكمته . [ 1 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) من عادة القرآن أن ينتهز الفرصة لإعادة الموعظة والتذكير حين يتضاءل تعلق النفوس بالدنيا ، وتفكّر فيما بعد الموت وتعير آذانها لداعي الهدى . فتتهيأ لقبول الحق في مظانّ ذلك على تفاوت في استعدادها وكم كان مثل هذا الانتهاز سببا في إيمان قلوب قاسية ، فإذا أظهر اللّه الآيات على يد رسوله صلى اللّه عليه وسلم لتأييد صدقه شفع ذلك بإعادة التذكير كما قال تعالى : وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [ الإسراء : 59 ] . وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت شاهدة على المشركين بظهور آية كبرى ومعجزة من معجزات النبي صلى اللّه عليه وسلم وهي معجزة انشقاق القمر . ففي « صحيح البخاري » و