الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

148

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و الْأُخْرى : مؤنث الأخير ، أي النشأة التي لا نشأة بعدها ، وهي مقابل النشأة الأولى التي يتضمنها قوله تعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [ النجم : 45 ] . وهذه المقابلة هي مناسبة ذكر هذه النشأة الأخرى . وقرأ الجمهور النَّشْأَةَ بوزن الفعلة وهو اسم مصدر أنشأ ، وليس مصدرا ، إذ ليس نشأ المجرد بمتعد وإنما يقال : أنشأ . وقرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب النشاءة بألف بعد الشين المفتوحة بوزن الفعالة وهو من أوزان المصادر لكنه مقيس في مصدر الفعل المضموم العين في الماضي نحو الجزالة والفصاحة . ولذلك فالنشاءة بالمد مصدر سماعي مثل الكآبة . ولعل مدّتها من قبيل الإشباع مثل قول عنترة : ينباع من ذفرى غضوب جسرة أي : ينبع . وتقديم الخبر على اسم أَنَّ للاهتمام بالتحقيق الذي أفادته ( على ) تنبيها على زيادة تحقيقه بعد أن حقق بما في ( أن ) من التوكيد . [ 48 ] [ سورة النجم ( 53 ) : آية 48 ] وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 ) ومعنى أَغْنى جعل غنيّا ، أي أعطى ما به الغنى ، والغنى التمكن من الانتفاع بما يحب الانتفاع به . ويظهر أن معنى أَقْنى ضد معنى أَغْنى رعيا لنظائره التي زاوجت بين الضدين من قوله : أَضْحَكَ وَأَبْكى [ النجم : 43 ] و أَماتَ وَأَحْيا [ النجم : 44 ] ، و الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [ النجم : 45 ] ، ولذلك فسره ابن زيد والأخفش وسليمان التميمي بمعنى أرضى . وعن مجاهد وقتادة والحسن : أَقْنى : أخدم ، فيكون مشتقا من القنّ وهو العبد أو المولود في الرّق فيكون زيادة على الإغناء . وقيل : أَقْنى : أعطى القنية . وهذا زيادة في الغنى . وعن ابن عباس : أَقْنى : أرضى ، أي أرضى الذي أغناه بما أعطاه ، أي أغناه حتى أرضاه فيكون زيادة في الامتنان . والإتيان بضمير الفصل لقصر صفة الإغناء والإقناء عليه تعالى دون غيره وهو قصر ادعائي لمقابلة ذهول الناس عن شكر نعمة اللّه تعالى بإسنادهم الأرزاق لوسائله العادية ،