الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

144

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهما حالتان لا يخلو الإنسان عن إحداهما فإن الإنسان أول وجوده نطفة ميتة ثم علقة ثم مضغة ( قطعة ميتة وإن كانت فيها مادة الحياة إلا أنها لم تبرز مظاهر الحياة فيها ) ثم ينفخ فيه الروح فيصير إلى حياة وذلك بتدبير اللّه تعالى وقدرته . ولعل المقصود هو العبرة بالإماتة لأنها أوضح عبرة وللرد عليهم قولهم : وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] ، وأن عطف وَأَحْيا تتميم واحتراس كما في قوله : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] . ولذلك قدم أَماتَ على أَحْيا مع الرعاية على الفاصلة كما تقدم في أَضْحَكَ وَأَبْكى [ النجم : 43 ] . وموقع الجملة كموقع جملة وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [ النجم : 40 ] . فإن كان مضمونها مما شملته صحف إبراهيم كان المحكي بها من كلام إبراهيم ما حكاه اللّه عنه بقوله : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [ الشعراء : 81 ] . وفعلا أَماتَ وَأَحْيا منزلان منزلة اللازم كما تقدم في قوله : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى [ النجم : 43 ] إظهار لبديع القدرة على هذا الصنع الحكيم مع التعريض بالاستدلال على كيفية البعث وإمكانه حيث أحاله المشركون ، وشاهده في خلق أنفسهم . وضمير الفصل للقصر على نحو قوله : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى [ النجم : 43 ] ردا على أهل الجاهلية الذين يسندون الإحياء والإماتة إلى الدهر فقالوا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] . فليس المراد الحياة الآخرة لأن المتحدث عنهم لا يؤمنون بها ، ولأنها مستقبلة والمتحدث عنه ماض . وفي هذه الآية محسن الطباق أيضا لما بين الحياة والموت من التضاد . [ 45 ، 46 ] [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) هذه الآية وإن كانت مستقلة بإفادة أن اللّه خالق الأزواج من الإنسان خلقا بديعا من نطفة فيصير إلى خصائص نوعه وحسبك بنوع الإنسان تفكيرا أو مقدرة وعملا ، وذلك ما لا يجهله المخاطبون فما كان ذكره إلا تمهيدا وتوطئة لقوله : وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى [ النجم : 47 ] على نحو قوله تعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء : 104 ] وباعتبار استقلالها بالدلالة على عجيب تكوين نسل الإنسان ، عطفت عليها جملة وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى [ النجم : 47 ] وإلا لكان مقتضى الظاهر أن يقال : إنّ عليه النشأة الأخرى بدون عطف وبكسر همزة ( إنّ ) .