الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

134

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والسعي : العمل والاكتساب ، وأصل السعي : المشي ، فأطلق على العمل مجازا مرسلا أو كناية . والمراد هنا عمل الخير بقرينة ذكر لام الاختصاص وبأن جعل مقابلا لقوله : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ النجم : 38 ] . والمعنى : لا تحصل لأحد فائدة عمل إلا ما عمله بنفسه ، فلا يكون له عمل غيره ، ولام الاختصاص يرجح أن المراد ما سعاه من الأعمال الصالحة ، وبذلك يكون ذكر هذا تتميما لمعنى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، احتراسا من أن يخطر بالبال أن المدفوع عن غير فاعله هو الوزر ، وإنّ الخير ينال غير فاعله . ومعنى الآية محكي في القرآن عن إبراهيم في قوله عنه : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 89 ] . وهذه الآية حكاية عن شرعي إبراهيم وموسى ، وإذ قد تقرر أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، تدل هذه الآية على أن عمل أحد لا يجزئ عن أحد فرضا أو نفلا على العين ، وأما تحمل أحد حمالة لفعل فعله غيره مثل ديات القتل الخطأ فذلك من المؤاساة المفروضة . واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ومحملها : فعن عكرمة أن قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى حكاية عن شريعة سابقة فلا تلزم في شريعتنا يريد أن شريعة الإسلام نسخت ذلك فيكون قبول عمل أحد عن غيره من خصائص هذه الأمة . وعن الربيع بن أنس أنه تأول ( الإنسان ) في قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى بالإنسان الكافر ، وأما المؤمن فله سعيه وما يسعى له غيره . ومن العلماء من تأول الآية على أنها نفت أن تكون للإنسان فائدة ما عمله غيره إذا لم يجعل الساعي عمله لغيره . وكأنّ هذا ينحو إلى أن استعمال سَعى في الآية من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه العقليين . ونقل ابن الفرس : أن من العلماء من حمل الآية على ظاهرها وأنه لا ينتفع أحد بعمل غيره ، ويؤخذ من كلام ابن الفرس أن ممن قال بذلك الشافعي في أحد قوليه بصحة الإجارة على الحج . واعلم أن أدلة لحاق ثواب بعض الأعمال إلى غير من عملها ثابتة على الجملة وإنما تتردد الأنظار في التفصيل أو التعميم ، وقد قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذرياتهم وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الطور : 21 ] ، وقد بيناه في