الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
130
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووقع في « أسباب النزول » للواحدي و « الكشاف » أنها نزلت في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح حين صد عثمان بن عفان عن نفقة في الخير كان ينفقها ( أي قبل أن يسلم عبد اللّه بن سعد ) رواه الثعلبي عن قوم . قال ابن عطية : وذلك باطل وعثمان منزه عن مثله ، أي عن أن يصغي إلى ابن أبي سرح فيما صده . فأشار قوله تعالى : الَّذِي تَوَلَّى إلى أنه تولى عن النظر في الإسلام بعد أن قاربه . وأشار قوله : وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى إلى ما أعطاه للذي يحمله عنه العذاب . وليس وصفه ب تَوَلَّى داخلا في التعجيب ولكنه سيق مساق الذم ، ووصف عطاؤه بأنه قليل توطئة لذمه بأنه مع قلة ما أعطاه قد شحّ به فقطعه . وأشار قوله : و أَكْدى إلى بخله وقطعه العطاء يقال : أكدى الذي يحفر ، إذا اعترضته كدية أي حجر لا يستطيع إزالته . وهذه مذمة ثانية بالبخل زيادة على بعد الثبات على الكفر فحصل التعجيب من حال الوليد كله تحقيرا لعقله وأفن رأيه . وقيل المراد بقوله : وَأَعْطى قَلِيلًا أنه أعطى من قبله وميله للإسلام قليلا وأكدى ، أي انقطع بعد أن اقترب كما يكدى حافر البئر إذا اعترضته كدية . والاستفهام في أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ إنكاري على توهمه أن استئجار أحد ليتحمل عنه عذاب اللّه ينجيه من العذاب ، أي ما عنده علم الغيب . وهذا الخبر كناية عن خطئه فيما توهمه . والجملة استئناف بياني للاستفهام التعجيبي من قوله : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى إلخ . وتقديم عِنْدَهُ وهو مسند على عِلْمُ الْغَيْبِ وهو مسند إليه للاهتمام بهذه العندية العجيب ادعاؤها ، والإشارة إلى يعده عن هذه المنزلة . وعلم الغيب : معرفة العوالم المغيبة ، أي العلم الحاصل من أدلة فكأنه شاهد الغيب بقرينة قوله : فَهُوَ يَرى . وفرع على هذا التعجيب قوله : فَهُوَ يَرى أي فهو يشاهد أمور الغيب ، بحيث عاقد على التعارض في حقوقها . والرؤية في قوله : فَهُوَ يَرى بصرية ومفعولها محذوف ، والتقدير : فهو يرى الغيب . والمعنى : أنه آمن نفسه من تبعه التولّي عن الإسلام ببذل شيء لمن تحمل عنه تبعة