الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ [ الأنعام : 93 ] فإذا لم تقيد بإضافة فإن تعيينها بحسب المقام كقوله تعالى : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ في سورة المؤمنين [ 54 ] . والمراد : في شغل ، أي ما يشغلهم من معاداة الإسلام شغلا لا يستطيعون معه أن يتدبروا في دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم . والسهو : الغفلة . والمراد أنهم معرضون إعراضا كإعراض الغافل وما هم بغافلين فإن دعوة القرآن تقرع أسماعهم كل حين واستعمال مادة السهو في هذا المعنى نظير استعمالها في قوله تعالى : الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [ الماعون : 5 ] . [ 12 - 14 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 12 إلى 14 ] يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ( 12 ) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 ) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 14 ) هذه الجملة يجوز أن تكون حالا من ضمير الْخَرَّاصُونَ [ الذاريات : 10 ] وأن تكون استئنافا بيانيا ناشئا عن جملة قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [ الذاريات : 10 ] لأن جملة قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أفادت تعجيبا من سوء عقولهم وأحوالهم فهو مثار سؤال في نفس السامع يتطلب البيان ، فأجيب بأنهم يسألون عن يوم الدين سؤال متهكمين ، يعنون أنه لا وقوع ليوم الدين كقوله تعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [ النبأ : 1 - 3 ] . و أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ مقول قول محذوف دلّ عليه يَسْئَلُونَ لأن في فعل السؤال معنى القول . فتقدير الكلام : يقولون : أيان يوم الدين . ولك أن تجعل جملة أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ بدلا من جملة يَسْئَلُونَ لتفصيل إجماله وهو من نوع البدل المطابق . و أَيَّانَ اسم استفهام عن زمان فعل وهو في محل نصب مبنيّ على الفتح ، أي متى يوم الدين ، ويوم الدين زمان فالسؤال عن زمانه آيل إلى السؤال باعتبار وقوعه ، فالتقدير : أيان وقوع يوم الدين ، أو حلوله ، كما تقول : متى يوم رمضان أي متى ثبوته لأن أسماء الزمان حقها أن تقع ظروفا للأحداث لا للأزمنة . وجملة يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ جواب لسؤالهم جرى على الأسلوب الحكيم من تلقي السائل بغير ما يتطلب إذ هم حين قالوا : أيّان يوم الدين ، أرادوا التهكم والإحالة فتلقّي كلامهم بغير مرادهم لأن في الجواب ما يشفي وقع تهكمهم على طريقة قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : 189 ] . والمعنى : يوم الدين يقع يوم تصلون النار ويقال لكم : ذوقوا فتنتكم .