الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

126

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والواسع : الكثير المغفرة ، استعيرت السعة لكثرة الشمول لأن المكان الواسع يمكن أن يحتوي على العدد الكثير ممن يحلّ فيه قال تعالى : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ، وتقدم في سورة غافر [ 7 ] . هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى . الخطاب للمؤمنين ، ووقوعه عقب قوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ينبئ عن اتصال معناه بمعنى ذلك فهو غير موجه لليهود كما في « أسباب النزول » للواحدي وغيره . وأصله لعبد اللّه بن لهيعة عن ثابت بن حارث الأنصاري . قال : « كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير يقولون : هو صدّيق ، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : كذبت يهود ، ما من نسمة يخلقها اللّه في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد » ، فأنزل اللّه هذه الآية . وعبد اللّه بن لهيعة ضعفه ابن معين وتركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي . وقال الذهبي : العمل على تضعيفه ، قلت : لعل أحد رواة هذا الحديث لم يضبط فقال : فأنزل اللّه هذه الآية ، وإنما قرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذا بعموم قوله : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ إلخ ، حجة عليهم ، وإلّا فإن السورة مكية والخوض مع اليهود إنما كان بالمدينة . وقال ابن عطية : حكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم . وكأنّ الباعث على تطلب سبب لنزولها قصد إبداء وجه اتصال قوله : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ بما قبله وما بعده وأنه استيفاء لمعنى سعة المغفرة ببيان سعة الرحمة واللطف بعباده إذ سلك بهم مسلك اليسر والتخفيف فعفا عمّا لو آخذهم به لأحرجهم فقوله : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ نظير قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [ الأنفال : 66 ] الآية ثم يجيء الكلام في التفريع بقوله : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ . فينبغي أن تحل جملة هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إلى آخرها استئنافا بيانيا لجملة إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ لما تضمنته جملة إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ من الامتنان ، فكأن السامعين لما سمعوا ذلك الامتنان شكروا اللّه وهجس في نفوسهم خاطر البحث عن سبب هذه الرحمة بهم فأجيبوا بأن ربهم أعلم بحالهم من أنفسهم فهو يدبر لهم ما لا يخطر ببالهم ، ونظيره ما في الحديث القدسي قال اللّه تعالى : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر خيرا من بله ما اطّلعتم عليه » .