الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
122
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا الاستئناف وقع معترضا بين الجمل وعلتها في قوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الآية . وأعني حاصل قوله : وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا . وقوله : ذلِكَ إشارة إلى المذكور في الكلام السابق من قوله : وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا استعير للشيء الذي لم يعلموه اسم الحد الذي يبلغ إليه السائر فلا يعلم ما بعده من البلاد . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى . تعليل لجملة فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى وهو تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم والخبر مستعمل في معنى أنه متولي حسابهم وجزائهم على طريقة الكناية ، وفيه وعيد للضالّين . والتوكيد المفاد ب إِنَّ وبضمير الفصل راجع إلى المعنى الكنائي ، وأما كونه تعالى أعلم بذلك فلا مقتضى لتأكيدها لما كان المخاطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم . والمعنى : هو أعلم منك بحالهم . وضمير الفصل مفيد القصر وهو قصر حقيقي . والمعنى : أنت لا تعلم دخائلهم فلا تتحسر عليهم . وجملة وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى تتميم ، وفيه وعد للمؤمنين وبشارة للنبي صلى اللّه عليه وسلم . والباء في بِمَنْ ضَلَّ وفي بِمَنِ اهْتَدى لتعدية صفتي أَعْلَمُ وهي للملابسة ، أي هو أشد علما ملابسا لمن ضل عن سبيله ، أي ملابسا لحال ضلاله ، وتقديم ذكر بِمَنْ ضَلَّ على ذكر بِمَنِ اهْتَدى لأن الضالّين أهمّ في هذا المقام ، وأما ذكر المهتدين فتتميم . [ 31 ، 32 ] [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 31 إلى 32 ] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 ) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 ) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ . عطف على قوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ إلخ فبعد أن ذكر أن للّه أمور الدارين بقوله : فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى [ النجم : 25 ] انتقل إلى أهم ما يجري في