الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
113
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حقيقيا لأنّ لهاته الأصنام مسميات وهي الحجارة أو البيوت التي يقصدونها بالعبادة ويجعلون لها سدنة . وجملة ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ تعليل لمعنى القصر بطريقة الاكتفاء لأن كونها لا حقائق لها في عالم الشهادة أمر محسوس إذ ليست إلا حجارة . وأما كونها لا حقائق لها من عالم الغيب فلأن عالم الغيب لا طريق إلى إثبات ما يحتويه إلا بإعلام من عالم الغيب سبحانه ، أو بدليل العقل كدلالة العالم على وجود الصانع وبعض صفاته واللّه لم يخبر أحدا من رسله بأن للأصنام أرواحا أو ملائكة ، مثل ما أخبر عن حقائق الملائكة والجن والشياطين . والسلطان : الحجة ، وإنزالها من اللّه : الإخبار بها ، وهذا كناية عن انتفاء أن تكون عليها حجة لأن وجود الحجة يستلزم ظهورها ، فنفي إنزال الحجة بها من باب : على لاحب لا يهتدي بمناره أي لا منار له فيهتدى به . وعبر عن الإخبار الموحى به بفعل ( أنزل ) لأنه إخبار يرد من العالم العلوي فشبّه بإدلاء جسم من أعلى إلى أسفل . وكذلك عبّر عن إقامة دلائل الوجود بالإنزال لأن النظر الفكري من خلق اللّه فشبه بالإنزال كقوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [ الفتح : 4 ] ، فاستعمال ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ من استعمال اللفظ في معنييه المجازيين . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ في سورة الحج [ 71 ] ، وتقدم في سورة يوسف [ 40 ] قوله : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . وأكد نفي إنزال السلطان بحرف ( من ) الزائدة لتوكيد نفي الجنس . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى . هذا تحويل عن خطاب المشركين الذي كان ابتداؤه من أول السورة وهو من ضروب الالتفات ، وهو استئناف بياني فضمير يَتَّبِعُونَ عائد إلى الذين كان الخطاب موجها إليهم .