الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
105
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفي قوله : ما أَوْحى إبهام لتفخيم ما أوحى إليه . [ 11 ، 12 ] [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 11 إلى 12 ] ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) الأظهر أن هذا ردّ لتكذيب من المشركين فيما بلغهم من الخبر عن رؤية النبي صلى اللّه عليه وسلم الملك جبريل وهو الذي يؤذن به قوله بعد : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى . واللام في قوله : الْفُؤادُ عوض عن المضاف إليه ، أي فؤاده وعليه فيكون تفريع الاستفهام في قوله : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى استفهاما إنكاريا لأنهم ماروه . ويجوز أن يكون قوله : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى تأكيدا لمضمون قوله : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ [ النجم : 9 ] فإنه يؤذن بأنه بمرأى من النبي صلى اللّه عليه وسلم لرفع احتمال المجاز في تشبيه القرب ، أي هو قرب حسي وليس مجرد اتصال روحاني فيكون الاستفهام في قوله : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى مستعملا في الفرض والتقدير ، أي أفستكذبونه فيما يرى بعينيه كما كذبتموه فيما بلغكم عن اللّه ، كما يقول قائل : « أتحسبني غافلا » وقول عمر بن الخطاب للعباس وعليّ في قضيتهما « أتحاولان مني قضاء غير ذلك » . وقرأ الجمهور ما كَذَبَ بتخفيف الذال ، وقرأه هشام عن ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الذال ، والفاعل والمفعول على حالهما كما في قراءة الجمهور . والفؤاد : العقل في كلام العرب قال تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [ القصص : 10 ] . والكذب : أطلق على التخييل والتلبيس من الحواس كما يقال : كذبته عينه . و ما موصولة ، والرابط محذوف ، وهو ضمير عائد إلى عَبْدِهِ في قوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ [ النجم : 10 ] أي ما رآه عبده ببصره . وتفريع أَ فَتُمارُونَهُ على جملة ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى . وقرأ الجمهور أَ فَتُمارُونَهُ من المماراة وهي الملاحاة والمجادلة في الإبطال . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف أفتمرونه بفتح الفوقية وسكون الميم مضارع مراه إذا جحده ، أي أتجحدونه أيضا فيما رأى ، ومعنى القراءتين متقارب . وتعدية الفعل فيهما بحرف الاستعلاء لتضمنه معنى الغلبة ، أي هبكم غالبتموه على