الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

89

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قبل القول والعمل لقول اللّه تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ فبدأ بالعلم . وما يستغفر منه النبي صلى اللّه عليه وسلّم ليس من السيئات لعصمته منها ، وإنما هو استغفار من الغفلات ونحوها ، وتسميته بالذنب في الآية إما محاكاة لما كان يكثر النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يقوله : ( اللهم اغفر لي خطيئتي ) وإنما كان يقوله في مقام التواضع ، وإما إطلاق لاسم الذنب على ما يفوت من الازدياد في العبادة مثل أوقات النوم والأكل ، وإطلاقه على ما عناه النبي صلى اللّه عليه وسلّم في قوله : « إنه ليغان « 1 » على قلبي وإني أستغفر اللّه في اليوم مائة مرة » « 2 » . واللام في قوله : لِذَنْبِكَ لام التعيين بينت مفعولا ثانيا لفعل اسْتَغْفِرْ واللام في قوله وَلِلْمُؤْمِنِينَ لام العلة ، أو بمعنى ( عن ) والمفعول محذوف ، أي استغفر الذنوب لأجل المؤمنين ، وفي الكلام حذف ، تقديره : وللمؤمنين لذنوبهم . وجملة وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ تذييل جامع لأحوال ما تقدم . فالمتقلّب : مصدر بمعنى التقلب ، أوثر جلبه هنا لمزاوجة قوله : وَمَثْواكُمْ . والتقلب : العمل المختلف ظاهرا كان كالصلاة ، أو باطنا كالإيمان والنصح . والمثوى : المرجع والمثال ، أي يعلم اللّه أحوالكم جميعا من مؤمنين وكافرين ، وقدر لها جزاءها على حسب علمه بمراتبها ويعلم مصائركم وإنما أمركم ونهاكم وأمركم بالاستغفار خاصة لإجراء أحكام الأسباب على مسبباتها فلا تيأسوا ولا تهملوا . [ 20 ، 21 ] [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ ( 20 ) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ( 21 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ ( 20 ) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ قد ذكرنا أن هذه السورة أنزلت بالمدينة وقد بدت قرون نفاق المنافقين ، فلما جرى

--> ( 1 ) يغان ، أي يغام ويغشى . وفسروا ذلك بالغفلات عن الذكر . ( 2 ) رواه مسلم وأبو داود .