الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

86

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إدراكه وتمكينه بالقدرة والآلات . [ 17 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 17 ] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) جملة معترضة بين جملة وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [ الأنعام : 25 ] وما فيهم عنها من قوله : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ [ الزخرف : 66 ] والواو اعتراضية . والمقصود من هذا الاعتراض : مقابلة فريق الضلالة بفريق الهداية على الأسلوب الذي أقيمت عليه هذه السورة كما تقدم في أولها . فهذا أسلوب مستمر وإن اختلفت مواقع جمله . والمعنى : والذين شرح اللّه صدرهم للإيمان فاهتدوا لطف اللّه بهم فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى ، فاتقوا وغالبوا أهواءهم . وإيتاء التقوى مستعار لتيسير أسبابها إذ التقوى معنى نفساني ، والإيتاء يتعدى حقيقة للذوات . وإضافة التقوى إلى ضمير الَّذِينَ اهْتَدَوْا إيماء إلى أنهم عرفوا بها واختصت بهم . [ 18 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 18 ] فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ( 18 ) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها تفريع على ما مضى من وصف أحوال الكافرين من قوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ إلى قوله : وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ [ محمد : 10 - 16 ] الشاملة لأحوال الفريقين ففرع عليها أن كلا الفريقين ينتظرون حلول الساعة لينالوا جزاءهم على سوء كفرهم فضمير ينظرون مراد به الكافرون لأن الكلام تهديد ووعيد ، ولأن المؤمنين ينتظرون أمورا أخر مثل النصر والشهادة ، قال تعالى : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ التوبة : 52 ] الآية . والنظر هنا بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [ الأنعام : 158 ] الآية . والاستفهام إنكار مشوب بتهكم ، وهو إنكار وتهكم على غائبين ، موجه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، أي لا تحسب تأخير مؤاخذتهم إفلاتا من العقاب ، فإنه مرجون إلى الساعة . وهذا الاستفهام الإنكاري ناظر إلى قوله آنفا وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [ محمد : 12 ] . والقصر الذي أفاده الاستثناء قصر ادعائي ، نزل انتظارهم ما يأملونه من المرغوبات