الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
74
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : أنّهم لو آمنوا بما أنزل اللّه لانتفعوا بأعمالهم الصّالحة في الآخرة وهي المقصود الأهمّ وفي الدنيا على الجملة . وقد حصل من ذكر هذا الخاص بعد العام تأكيد الخير المذكور . [ 10 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 10 ] أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ( 10 ) تفريع على جملة وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ [ محمد : 8 ] الآية ، وتقدم القول في نظائر أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ * في سورة الروم [ 9 ] وفي سورة غافر [ 21 ] . والاستفهام تقريري ، والمعنى : أليس تعس الذين كفروا مشهودا عليه بآثاره من سوء عاقبة أمثالهم الذين كانوا قبلهم يدينون بمثل دينهم . وجملة دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ استئناف بياني ، وهذا تعريض بالتهديد . والتدمير : الإهلاك والدمار وهو الهلك . وفعل دَمَّرَ متعد إلى المدمّر بنفسه ، يقال : دمرهم اللّه ، وإنما عدي في الآية بحرف الاستعلاء للمبالغة في قوة التدمير ، فحذف مفعول دَمَّرَ لقصد العموم ، ثم جعل التدمير واقعا عليهم فأفاد معنى دَمَّرَ كل ما يختصّ بهم ، وهو المفعول المحذوف ، وأن التدمير واقع عليهم فهم من مشموله . وجملة وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها اعتراض بين جملة أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ وبين جملة ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [ محمد : 11 ] . والمراد بالكافرين : كفار مكة . والمعنى : ولكفاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من الدّمار وهذا تصريح بما وقع به التعريض للتأكيد بالتعميم ثم الخصوص . وأمثال : جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء ، وجمع الأمثال لأن اللّه استأصل الكافرين مرات حتى استقر الإسلام فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف ، ويوم حنين بالسيف أيضا ، وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم وسلط عليهم الرعب والمذلة يوم فتح مكة ، وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو نصر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ودينه ، وقد جعل اللّه ما نصر به رسوله صلى اللّه عليه وسلّم أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك أنكى للعدو . وضمير أَمْثالُها عائد إلى عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ باعتبار أنها حالة سوء .