الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
71
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وذكر الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إظهار في مقام الإضمار إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال : فلن يضل اللّه أعمالكم ، وهكذا بأسلوب الخطاب ، فعدل عن مقتضى الظاهر من الإضمار إلى الإظهار ليكون في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي إفادة تقوّي الخبر ، وليكون ذريعة إلى الإتيان بالموصول للتنويه بصلته ، وللإيماء إلى وجه بناء الخبر على الصلة بأن تلك الصلة هي علة ما ورد بعدها من الخبر . فجملة فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ خبر عن الموصول ، وقرنت بالفاء لإفادة السببية في ترتب ما بعد الفاء على صلة الموصول لأن الموصول كثيرا ما يشرب معنى الشرط فيقرن خبره بالفاء ، وبذلك تكون صيغة الماضي في فعل قُتِلُوا منصرفة إلى الاستقبال لأن ذلك مقتضى الشرط . وجملة سَيَهْدِيهِمْ وما عطف عليها بيان لجملة فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ . وتقدم الكلام آنفا على معنى إضلال الأعمال وإصلاح البال . ومعنى عَرَّفَها لَهُمْ أنه وصفها لهم في الدنيا فهم يعرفونها بصفاتها ، فالجملة حال من الجنة ، أو المعنى هداهم إلى طريقها في الآخرة فلا يترددون في أنهم داخلونها ، وذلك من تعجيل الفرح بها . وقيل : عَرَّفَها جعل فيها عرفا ، أي ريحا طيبا ، والتطييب من تمام حسن الضيافة . وقرأ الجمهور قاتلوا بصيغة المفاعلة ، فهو وعد للمجاهدين أحيائهم وأمواتهم . وقرأه أبو عمرو وحفص عن عاصم قُتِلُوا بالبناء للنائب ، فعلى هذه القراءة يكون مضمون الآية جزاء الشهداء فهدايتهم وإصلاح بالهم كائنان في الآخرة . [ 7 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 7 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ( 7 ) لما ذكر أنه لو شاء اللّه لانتصر منهم علم منه أن ما أمر به المسلمين من قتال الكفار إنما أراد منه نصر الدين بخضد شوكة أعدائه الذين يصدون الناس عنه ، أتبعه بالترغيب في نصر اللّه والوعد بتكفل اللّه لهم بالنصر إن نصروه ، وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب كراهيتهم ما شرعه من الدين . فالجملة استئناف ابتدائي لهاته المناسبة . وافتتح الترغيب بندائهم بصلة الإيمان اهتماما بالكلام وإيماء إلى أن الإيماء يقتضي منهم ذلك ، والمقصود تحريضهم على الجهاد في المستقبل بعد أن اجتنوا فائدته مشاهدة يوم بدر . ومعنى نصرهم اللّه : نصر دينه ورسوله صلى اللّه عليه وسلّم لأن اللّه غني عن النصر في تنفيذ إرادته