الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
53
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ينصره على اللّه ويحميه منه ، فهو نفي أن يكون له سبيل إلى النجاة بالاستعصام بمكان لا تبلغ إليه قدرة اللّه ، ولا بالاحتماء بمن يستطيع حمايته من عقاب اللّه . وذكر هذا تعريض للمشركين . واسم الإشارة في أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ للتنبيه على أن من هذه حالهم جديرون بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم لتسبب ما قبل اسم الإشارة فيه كما في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ لقمان : 5 ] . والظرفية المستفادة من فِي ضَلالٍ مُبِينٍ مجازية لإفادة قوة تلبسهم بالضلال حتى كأنهم في وعاء هو الضلال . والمبين : الواضح ، لأنه ضلال قامت الحجج والأدلة على أنه باطل . [ 33 ] [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 33 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) عود إلى الاستدلال على إمكان البعث فهو متصل بقوله : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي إلى قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ [ الأحقاف : 17 ، 18 ] فهو انتقال من الموعظة بمصير أمثالهم من الأمم إلى الاستدلال على إبطال ضلالهم في شركهم وهو الضلال الذي جرّأهم على إحالة البعث ، بعد أن أطيل في إبطال تعدد الآلهة وفي إبطال تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وهذا عود على بدء فقد ابتدئت السورة بالاحتجاج على البعث بقوله تعالى : ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الأحقاف : 3 ] الآية ويتصل بقوله : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ إلى قوله : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الأحقاف : 17 ] . والواو عاطفة جملة الاستفهام ، وهو استفهام إنكاري ، والرؤية علمية . واختير هذا الفعل من بين أفعال العلم هنا لأن هذا العلم عليه حجة بينة مشاهدة ، وهي دلالة خلق السماوات والأرض من عدم ، وذلك من شأنه أن يفرض بالعقل إلى أن اللّه كامل القدرة على ما هو دون ذلك من إحياء الأموات . ووقعت أَنَّ مع اسمها وخبرها سادّة مسدّ مفعولي يَرَوْا . ودخلت الباء الزائدة على خبر أَنَّ وهو مثبت وموكّد ، وشأن الباء الزائدة أن تدخل على الخبر المنفي ، لأن أَنَّ وقعت في خبر المنفي وهو أَ وَلَمْ يَرَوْا .