الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

5

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجزء السادس والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 46 - سورة الأحقاف سميت هذه السورة « سورة الأحقاف » في جميع المصاحف وكتب السنة ، ووردت تسميتها بهذا الاسم في كلام عبد اللّه بن عباس . روى أحمد بن حنبل بسند جيّد عن ابن عباس قال : « أقرأني رسول اللّه سورة من آل حم وهي الأحقاف » ، وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين . وكذلك وردت تسميتها في كلام عبد اللّه بن مسعود أخرج الحاكم بسند صححه عن ابن مسعود « قال : أقرأني رسول اللّه سورة الأحقاف » الحديث . وحديث ابن عباس السابق يقتضي أنها تسمّى ثلاثين إلا أن ذلك لا يختص بها فلا يعد من أسمائها ولم يذكرها في « الإتقان » في عداد السور ذات أكثر من اسم . ووجه تسميتها « الأحقاف » ورود لفظ ( الأحقاف ) فيها ولم يرد في غيرها من سور القرآن . وهي مكية قال القرطبي : باتفاق جميعهم ، وفي إطلاق كثير من المفسرين . وبعض المفسرين نسبوا استثناء آيات منها إلى بعض القائلين ، فحكى ابن عطية استثناء آيتين هما قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ إلى الظَّالِمِينَ [ الأحقاف : 10 ] فإنها أشارت إلى إسلام عبد اللّه بن سلام وهو إنما أسلم بعد الهجرة ، وقوله : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] . وفي « الإتقان » ثلاثة أقوال باستثناء آيات ثلاث منها الثنتان اللتان ذكرهما ابن عطية والثالثة وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إلى قوله : خاسِرِينَ [ الأحقاف : 15 - 18 ] . وسيأتي ما يقتضي أنها نزلت بعد مضيّ عامين من البعثة وأسانيد جميعها متفاوتة . وأقواها ما روي في الآية الأولى منها ، وسنبين ذلك عند الكلام عليها في مواضعها . وهذه السورة معدودة الخامسة والستين في عداد نزول السور ، نزلت بعد الجاثية وقبل الذاريات . وعدّت آيها عند جمهور أهل الأمصار أربعا وثلاثين ، وعدّها أهل الكوفة