الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

46

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومؤدى التعليل لأنه لما جعل الشيء من الإغناء معلقا نفيه بزمان جحدهم بآيات اللّه كما يستفاد من إضافة إِذْ إلى الجملة بعدها ، علم أن لذلك الزمان تأثيرا في نفي الإغناء . وآيات اللّه دلائل إرادته من معجزات رسولهم ومن البراهين الدالة على صدق ما دعاهم إليه . وقد انطبق مثالهم على حال المشركين فإنهم جحدوا بآيات اللّه وهي آيات القرآن لأنها جمعت حقيقة الآيات بالمعنيين . وحاق بهم : أحاط بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ العذاب ، عدل عن اسمه الصريح إلى الموصول للتنبيه على ضلالهم وسوء نظرهم . [ 27 ] [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 27 ] وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 27 ) أتبع ضرب المثل بحال عاد مع رسولهم بأن ذلك المثل ليس وحيدا في بابه فقد أهلك اللّه أقواما آخرين من مجاوريهم تماثل أحوالهم أحوال المشركين ، وذكّرهم بأن قراهم قريبة منهم يعرفها من يعرفونها ويسمع عنها الذين لم يروها ، وهي قرى ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وسبأ وقوم تبع ، والجملة معطوفة على جملة وَاذْكُرْ أَخا عادٍ [ الأحقاف : 21 ] إلخ . وكنّي عن إهلاك الأقوام بإهلاك قراهم مبالغة في استئصالهم لأنه إذا أهلكت القرية لم يبق أحد من أهلها كما كنّى عنترة بشك الثياب عن شك الجسد في قوله : فشككت بالرمح الأصم ثيابه ومنه قوله تعالى : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ المدثر : 4 ] . وتصريف الآيات تنويعها باعتبار ما تدلّ عليه من الغرض المقصود منها وهو الإقلاع عن الشرك وتكذيب الرسل ، وأصل معنى التصريف التغيير والتبديل لأنه مشتق من الصرف وهو الإبعاد . وكنّي به هنا عن التبيين والتوضيح لأن تعدد أنواع الأدلة يزيد المقصود وضوحا . ومعنى تنويع الآيات أنها تارة تكون بالحجة والمجادلة النظرية ، وتارة بالتهديد على الفعل ، وأخرى بالوعيد ، ومرة بالتذكير بالنعم وشكرها . وجملة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ مستأنفة لإنشاء الترجّي وموقعها موقع المفعول لأجله ، أي رجاء رجوعهم . والرجوع هنا مجاز عن الإقلاع عمّا هم فيه من الشرك والعناد ، والرجاء من اللّه تعالى يستعمل مجازا في الطلب ، أي توسعة لهم وإمهالا ليتدبروا ويتّعظوا . وهذا تعريض بمشركي أهل مكة فهم سواء في تكوين ضروب تصريف الآيات زيادة على ما صرف لهم