الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
17
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلّم فهم يتحدثون عن رسالة موسى عليه السلام بما هو مماثل لحال النبي صلى اللّه عليه وسلّم مع قومه وفيه ما يكفي لدفع إنكارهم رسالته . فالاستفهام في أَ رَأَيْتُمْ تقريري للتوبيخ ومفعولا أَ رَأَيْتُمْ محذوفان . والتقدير : أرأيتم أنفسكم ظالمين . والضمير المستتر في إِنْ كانَ عائد إلى القرآن المعلوم من السياق أو إلى ما يوحى إليّ في قوله آنفا إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأحقاف : 9 ] . وجملة وَكَفَرْتُمْ بِهِ في موضع الحال من ضمير أَ رَأَيْتُمْ . ويجوز أن يكون عطفا على فعل الشرط . وكذلك جملة وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ لأن مضمون كلتا الجملتين واقع فلا يدخل في حيز الشرط ، وجواب الشرط محذوف دل عليه سياق الجدل . والتقدير : أفترون أنفسكم في ضلال . وجملة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تذييل لجملة جواب الشرط المقدرة وهي تعليل أيضا . والمعنى : أتظنون إن تبين أن القرآن وحي من اللّه وقد كفرتم بذلك فشهد شاهد على حقّية ذلك توقنوا أن اللّه لم يهدكم لأنكم ظالمون وأن اللّه لا يهدي الظالمين . وضميرا كانَ و مِثْلِهِ عائدان إلى القرآن الذي سبق ذكره مرّات من قوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ [ الأحقاف : 2 ] وقوله : ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا [ الأحقاف : 4 ] . وجملة وَاسْتَكْبَرْتُمْ عطف على جملة وَشَهِدَ شاهِدٌ إلخ وجملة وَشَهِدَ شاهِدٌ عطف على جملة إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . والمثل : المماثل والمشابه في صفة أو فعل ، وضمير مِثْلِهِ للقرآن فلفظ مِثْلِهِ هنا يجوز أن يحمل على صريح الوصف ، أي على مماثل للقرآن فيما أنكروه مما تضمنه القرآن من نحو توحيد اللّه وإثبات البعث وذلك المثل هو كتاب التوراة أو الزبور من كتب بني إسرائيل يومئذ . ويجوز أن يحمل المثل على أنه كناية عما أضيف إليه لفظ ( مثل ) ، فيكون لفظ ( مثل ) بمنزلة المقحم على طريقة قول العرب : « مثلك لا يبخل » ، وكما هو أحد محملين في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . فالمعنى : وشهد شاهد على صدق القرآن فيما حواه . ويجوز يكون ضمير مِثْلِهِ عائدا على الكلام المتقدم بتأويل المذكور ، أي على مثل ما ذكر في أنه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وأنه ليس بدعا من كتب الرسل . فالمراد ب شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ شاهد غير معين ، أي أيّ شاهد ، لأن الكلام