الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
8
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عليها ، وقد تقدم في طالعة سورة هود . ومن كمال تفصيله أنه كان بلغة كثيرة المعاني ، واسعة الأفنان ، فصيحة الألفاظ ، فكانت سالمة من التباس الدلالة ، وانغلاق الألفاظ ، مع وفرة المعاني غير المتنافية في قلة التراكيب ، فكان وصفه بأنه عربي من مكملات الإخبار عنه بالتفصيل . وقد تكرر التنويه بالقرآن من هذه الجهة كقوله : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 195 ] ولهذا فرع عليه ذم الذين أعرضوا عنه بقوله هنا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وقوله هنالك : كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ الشعراء : 200 ، 201 ] . والقرآن : الكلام المقروء المتلوّ . وكونه قرآنا من صفات كماله ، وهو أنه سهل الحفظ ، سهل التلاوة ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ * [ القمر : 22 ] ولذلك كان شأن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم حفظ القرآن عن ظهر قلب ، وكان شأن المسلمين الاقتداء به في ذلك على حسب الهمم والمكنات ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يشير إلى تفضيل المؤمنين بما عندهم من القرآن . وكان يوم أحد يقدم في لحد شهدائه من كان أكثرهم أخذا للقرآن تنبيها على فضل حفظ القرآن زيادة على فضل تلك الشهادة . وانتصب قُرْآناً على النعت المقطوع للاختصاص بالمدح وإلا لكان مرفوعا على أنه خبر ثالث أو صفة للخبر الثاني ، فقوله : قُرْآناً مقصود بالذكر للإشارة إلى هذه الخصوصية التي اختص بها من بين سائر الكتب الدينية ، ولولا ذلك لقال : كتاب فصّلت آياته عربي كما قال في سورة الشعراء [ 195 ] بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . ولك أن تجعله منصوبا على الحال . وقوله : لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ صفة ل قُرْآناً ظرف مستقر ، أي كائنا لقوم يعلمون باعتبار ما أفاده قوله : قُرْآناً عَرَبِيًّا من معنى وضوح الدلالة وسطوع الحجة ، أو يتعلق لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بقوله : تَنْزِيلٌ أو بقوله : فُصِّلَتْ آياتُهُ على معنى أن فوائد تنزيله وتفصيله لقوم يعلمون دون غيرهم فكأنه لم ينزل إلا لهم ، أي فلا بدع إذا أعرض عن فهمه المعاندون فإنهم قوم لا يعلمون ، وهذا كقوله تعالى : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 101 ] وقوله : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] وقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ يوسف : 2 ] وقوله : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [ العنكبوت : 49 ] .